منى الثبيتي – الوئام:
قبل أن تغرب شمس الطائف من على قمم جبالها، كانت ملامح يومٍ مختلف ترتسم في ميدان الملك خالد للفروسية بالحوية. لم يكن الهدوء الذي يسبق انطلاق الأشواط سوى استراحة قصيرة تسبق حكاية جديدة، أبطالها خيول عربية أصيلة، وفرسان يحملون أحلامهم فوق ظهورها، وجمهور يعرف أن السباق ليس مجرد منافسة على خط النهاية، بل احتفاء بإرثٍ عربي يمتد عبر القرون.
في هذا الوقت، جمهور يملأ المدرجات، ومذيع يعلن أسماء الأشواط، وكاميرات توثق أجمل اللحظات، ورجال يعرفون أن البطولة لا تُولد عند خط النهاية.
يقترب المدرب من جواده ببطء، يضرب على عنقه بحب، ويتفقد حوافره، ويحدق طويلًا في عينيه، ثم يبتسم ابتسامةً صغيرة لا يلاحظها أحد. لا يتحدث كثيرًا، فبين الإنسان والخيل لغةٌ لا تحتاج إلى الكلمات.
غير بعيدٍ عن هذه الخيول، يقف الفارس وهو يشد خوذته للمرة الأخيرة، يبدو هادئًا، لكن قلبه يخوض سباقًا آخر قبل أن يبدأ السباق الحقيقي. يعرف أن دقائق قليلة ستختصر أشهرًا من العمل، وأن خطوةً واحدة قد تمنح المجد، أو تؤجل الحلم إلى موسم جديد.
أما الجواد، فلا يعرف شيئًا عن الكؤوس، ولا عن الجوائز، ولا عن التصفيق، كل ما يعرفه أن اليد التي اعتنت به منذ كان مهرًا صغيرًا تنتظر منه اليوم أن يركض بكل ما يملك من روح، ولهذا تبدو الخيل أوفى من كثيرٍ من البشر.
في الطائف، لا تُقام سباقات الخيل لأنها رياضة فحسب، بل لأنها امتدادٌ لذاكرة المكان، فهذه المدينة التي عُرفت بوردها وعنبها وهوائها العليل، احتفظت أيضًا بعلاقة استثنائية مع الفروسية. هنا، لا تبدو الخيل غريبة عن المشهد، بل كأنها جزء من تضاريسه، تركض فوق أرضٍ تعرف أسماءها، وتحفظ وقع حوافرها منذ عقود.
تبدأ الأشواط، وتنفتح البوابات دفعةً واحدة، وفي لحظةٍ خاطفة، يتحول الصمت إلى صهيل، وترتج الأرض تحت وقع الحوافر، ويتطاير التراب خلف الجياد كأنه يكتب سطورًا جديدة فوق المضمار، بينما تتشابك أصوات الجماهير مع صهيل الخيل، فلا يعود أحد قادرًا على التفريق بين نبض القلب وصوت السباق.
ومن المدرجات، تبدو المنافسة بسيطة؛ خيول تركض، وفارس يريد الوصول أولًا، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، فكل جواد يحمل خلفه قصة مالكٍ أنفق سنواتٍ في التربية والاختيار، وقصة مدربٍ حفظ تفاصيل كل خطوةٍ يخطوها جواده، وقصة طبيبٍ بيطري سهر ليالٍ حتى يبقى البطل في كامل جاهزيته، وقصة عاملٍ مجهول لا يعرف اسمه أحد، لكنه أول من يفتح باب الإسطبل صباحًا، وآخر من يغادره مساءً.
وحين يفوز الجواد، يصعد إلى منصة التتويج اسمٌ واحد، لكن الحقيقة أن خلف ذلك الاسم عشرات الأيدي التي صنعت هذا الانتصار بصمت.
ليست الخيل العربية مجرد سلالةٍ نادرة، إنها ذاكرةٌ تمشي على أربع، في ملامحها شيءٌ من الصحراء، وفي اتساع عينيها حكايات القبائل، وفي اندفاعها بقايا قصائد كان الشعراء ينسجونها وهم يصفون فرسًا سبقت الريح، ولذلك حين تركض في مضمار الطائف، لا يشعر المتابع أنه يشاهد سباقًا فقط، بل يرى التاريخ وهو يعيد تقديم نفسه بصورةٍ أكثر أناقة.
ومع انتهاء الأشواط، يبدأ الجمهور في المغادرة، وتُطوى الأعلام، ويخفت صوت المذيع، وتعود الخيل إلى إسطبلاتها، لكن شيئًا واحدًا يبقى في المكان: آثارُ الحوافر على تراب المضمار. قد تراها مجرد خطوطٍ متقاطعة، لكنها في الحقيقة توقيعٌ جديد تتركه الفروسية على ذاكرة الطائف.

