تعليقات 6

خطيئة الأنا

خطيئة الأنا
weam.co/184475

في ثقافتنا السائدة المعاصرة هناك قطيعة مع الذات . ومن أبرز مظاهرها ، تقليل الإنسان دوما من شأن نفسه ، وتهميشه لأي إنجاز يقوم به .

حتى غدا حديث الإنسان المعلن عن نفسه ، حديثا يمتليء بالسلبية ويجنح إلى الانتقاص .ومنه المقولة المشهورة – والتي لا أصل لها – ، عندما ُتذكر كلمة أنا – ولو عرضا وليس على سبيل التفاخر – : ” أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا ..! ” وكأن الأنا شر يجب أن نتعوذ منه ، وخطيئة ينبغي التبرؤ منها.

وحتى المدح أو الثناء ولو كان في محله نعجز عن التعامل معه فبدلا من أن نقول شكرا ، نجد أننا نرفضه وقد نتهم أصحابه بالمجاملة أو المبالغة ، أو حتى نتهمهم في ذوقهم أو تمييزهم.إننا هربا من الغرور تطرفنا في الجهة المقابلة ، فوقعنا في حفرة تدني تقدير الذات.

ولعل عقودا من الانهزام الحضاري والفكري كرست هذا المفهوم في داخل عقلنا الجمعي.

إن أول خطوة في الاعتراف بالذات لدينا ، أن نعلن للملأ عن أعمالنا الجيدة ومنجزاتنا الجميلة ، بلا فخر .

وهذا المعنى مفقود بشدة في ثقافاتنا العربية السائدة ، التي رغم أنها تحفل بالمنجزين والناجحين – في كافة المجالات – لكن قلما تجد من يوثق هذا النجاح وهذا الإنجاز ويعلنه على الملأ.

بخلاف المكتبة الغربية ، والتي هي ملأى بقصص النجاح والإنجاز ، حتى البسيطة منها ، حتى أن عامل محطة قطار يسطيع أن يكون بطلا بتجربة ناجحة يخرجها للناس في كتاب.

إننا وقبل عقلية توثيق هذه التجارب ، نحتاج أولا إلى عقلية الاعتراف بهذه التجارب ، وقبلها أن نعترف بذواتنا ، كذوات فاعلة وقادرة ومنجزة ، وأن لا نقلل من قيمة أي جهد أو أي فكر يسعى إلى الصواب ، مهما كان بسيطا.

وذلك نوع من إشاعة ثقافة الإنجاز ، ونشر الفكر الإيجابي العملي ، الذي قد يمارسه الكثير ، لكنهم يختبؤن به خوفا وخجلا من الوصم بالغرور .

نحن نخلط بين التواضع وبين إنكار الذات .

التواضع أمر على مستوى السلوك ، لا الشعور ، فلا يلزم لتكون متواضعا أن تشعر بدونية ذاتك حتى تحقق معنى المتواضع.

سلوكك العملي مع الآخرين من حسن التعامل ، واحترام الجميع بكافة فئاتهم ، والمشاركة الحقة ، هي التي تحدد مستوى تواضعك.

إن الاعتراف بالذات يعني أن تعطي لذاتك المنجزة العاملة حقها من التقدير ، بإعلان ذك للملأ.

أما الغرور فهو ذلك التباهي الأناني بميزات تملكها ، ربما تكون حتى لم تتعب في امتلاكها.

إنها ليست دعوة إلى نرجسية الأدباء والشعراء فتلك حالة فنية تخصهم وحدهم.

ولكنها دعوة إلى عدم نفي الذات ، إرضاء للآخرين ، وجريانا مع الفكر السائد . بل الاعتراف بها بلا خجل ، واحترامها ، وإعلان كل عمل جيد صنعته – مهما كان بسيطا ـ ولعله يكون له أصداء واسعة فيما بعد تظهر في تمثله والاقتداء به.

إن الخجل يجب أن يكون من الخطأ ، لا من عمل الصواب ، وكل تجاربنا الناجحة وصفاتنا الجيدة ن يجب أن تظهر للعلن لا أن تخبأ كخطيئة.

إشراقة :

( قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) . يوسف 55.

 رحمة العتيبي

التعليقات (٦) اضف تعليق

  1. ٦
    عبد الله العُتَيِّق

    من لم يعترف بـ أنا ذاته لن يتعرَّف على صفاته. و من حقَّر نفسه لم يحترم غيره. الذات منطلق الإنسان إلى عالمه الخارجي.
    شكراً لك أستاذة رحمة على هذا العطاء

  2. ٥
    صباح

    ابدعتي رحمه .صحيح تجاهلنا ذواتنا .واختلطت المفاهيم بين التقدير والتواضع.نحن الجيل الذي ضاع في ثورة الانفجار .فلم يعد قادرا على ان يتمسك بالأصيل ويطلب المفيد من الجديد الا بعد خلوة مع النفس واعادة اساسها

    اهنئك على طرحك واختيارك فقد شدني العنوان واثارني المطروح
    فهنيئا لك

  3. ٤
    السيدة الاولى

    نعم. .من أول خطوات النجاح هي الاعتراف بالذات. وخصوصا الاعترافات الايجابية تجاه الذات. والاعتراف الحقيقي هو روعة هذا المقال. وكأننا بحاجة الى من يوقظ الدوافع الايجابية داخلنا. .شكرا على عطاءك ومقالاتك الناجحة.

  4. ٣
    صباح

    هنئيا لك رحمة .جذبني العنوان كثيرا .واعجبت بطرحك له .بابسط العبارات .فأثرتي بقلمك مانصارعه
    نعم لدينا خطأ بين الاقدير والتواضع
    ولعلك بمقالك رسمت لنا خطا جديدا نمضي فيه وبقناعة
    فشكرالك ولقلمك وقبلها عقلك

  5. ٢
    صباح

    عذرا للمتابعين فقد علقت مرتين لانه لم يظهر لي ان تعليقي الاول قد أرسل .شكرا واكرر اسفي

  6. ١
    ناديا

    نعم … غاليتي … اختلطت المفاهيم عندنا فلم تعرف السلوكيات واﻻساليب ( واختلط الحابل بالنابل )واصبح المجتمع مشتت بينها وضاعت نجاحات صغيره كانت مهمه .. وتﻻشت احﻻم صانعوها …. فتحفيز الذات مهم للوصول للهدف والتواضع سمه ﻻشخاص كثيرون .. واﻻنانيه مقبره لكل شخص ملئ بها ومدمره لنجاحاته …شكرا على موضوع رائع طرح بقلم مبدعه