1 تعليق

أنا وصديقي.. نظرية المؤامرة

أنا وصديقي.. نظرية المؤامرة
weam.co/289152
غازي الحارثي

في أحد المساءات الضَّجرة، كنت أحاول فعلًا الابتعاد عن كل ما من شأنه الدخول في جو الواقع السياسي الكئيب في وطننا العربي، وإقليمنا الخليجي أيضًا، وكان بالقرب مني أحد الأصدقاء الذي مايلبث أن يستفزني بفتح مواضيع سياسية شائكة وعميقة، لعله يستجدي منّي حديثًا طويلًا يملأُ ذلك المحيط الذي كان ضجرًا كما قلت.
لم يكن هناك غير ذلك الموضوع الذي يؤرق كثيرًا قبل أن يثير التساؤلات ويطغي الشكوك، ويفتح ملفات لم يكن لها أن تغلق أو تُنسى، قال صديقي: إنني أستنكر كثيرًامن اعتبارك الربيع العربي نِتاج مؤامرة حيكت لأهداف مسيسة ومسيسة فقط، إنه لم يكن كذلك أبدًا.. بدأت أحب فكرة النقاش معه لعلنا نصل إلى نقطة التقاء أو صيغة تفاهم عامة توضح له نظرتي الخاصة بدمجها مع الحقيقة، قلت له: فعلًا الربيع العربي كان مفتعلًا على إثر مؤامرة، ويمكن اعتبار الولايات المتحدة ضلع هذه المؤامرة الرئيسي والثابت.
فقال: بالعكس.. أميركا فقط نجحت في تحوير أحداث كانت على الأرض لصالحها.. قلت: وتلك الأحداث التي طرأت على السطح، ألا تتفق معي أن يدًا أميركية قد ساهمت في صناعتها بشكل رئيسي ومحوري؟
وأنه لولا تدبير أجهزة الاستخبارات الأمريكية CIA لما حدثت فعلًا؟
قال: بلى أتفق معك.. فقلت باسترسال أقنعته به ختامًا: إن السيدة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تجيبنا بهدوء فتقول في مؤتمر صحفي العام 2005 إنهم في البيت الأبيض يهدفون إلى العمل على تغيير أنظمة الحكم في البلاد العربية، وتجديد خارطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بما يتناسب مع مخططهم الجديد، وذلك بنشر آلية ما يسمى بالفوضى الخلاقة.
كان هذا تمامًا هو الخيط الأول إلى الحقيقة، ولكن السؤال ماذا فعلت أميركا لتنفذ هذا المخطط؟
إنه بمجرد معرفة أن أميركا عملت لتنفيذ مخططها فإن هذا يقودنا إلى حقيقة أن هذا المخطط كان فعلًا مؤامرةً أميركية مع قوى شر عديدة.
وقلت: استغلت أميركا بوضوح رغبة التغيير والإصلاح في العالم العربي والتي تبديها الشعوب في كل فرصة، وهي رغبات في عمومها شرعية فأنشأت وتبنتأيضًا منظمات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية في الدول العربية، وأقامت الندوات والدورات التدريبية على التغيير السياسي والتأثير الاجتماعي، وانطلق سريعًا بعد ذلك الحراك الشعبي الذي يتصدر المحرضين عليه أرباب تلك المؤسسات الأمريكية وكذلك الجماعات الإسلامية التي فجأةً تناسقت وتداخلت بأميركا وتلقت الدعم الكبير الذي أوصلهم في ما بعد إلى السلطة في عدة دول مع مباركة أميركية ما زالت قائمة حتى اليوم، كما كان الدور كبيرًا لتلك الفئات التي تبنتها أميركا في منظمات المجتمع المدني ومؤسسات التغيير والدعوة إلى الديموقراطية التي تبنتها أميركا في مشروعها الجديد.
ولكن يا صديقي عندما أعود بالذاكرة إلى تصريح كونداليزا رايس؛ فألا تعتبر كل هذه الأحداث والعوامل التي أثرت بها تطبيقًا عمليًا بحتًا لتلك الرغبة التي أعلنتها كونداليزا رايس؟
وألا تعتبر أن أساس هذا المشروع الضخم تمت صناعته وصياغته في أمريكا قبل بداية اندلاع أول شرارة في تونس؟
من حيث وجود المنظمات والأفراد المؤثرين في هذا المشروع هناك في أميركا وتواصلهم أو ارتباطهم مع الإدارة الأميركية؟
وألا تعتبر أن أسلوب التغيير العشوائي والدموي في الوطن العربي هو تفسير لآلية الفوضى الخلاقة التي أقرتها الإدارة الأميركية كآلية لمخططها في الشرق الأوسط؟
الإجهاض الواضح على استقلالية ووحدوية تنظيم القاعدة ثم استخراج تنظيمات أخرى متطرفة من صلب تنظيم القاعدة ونشرها في عمق الوطن العربي واستعمالها في تهديد الاستقرار ونشر الفوضى والقتل والتأثير الديني والاجتماعي.
ألا يعتبر شكل من أشكال آلية الفوضى الخلاقة التي دعت إليها كونداليزا رايس؟

وصول جماعة منبوذة في العمق الديني والاجتماعي العربي كجماعة الإخوان المسلمين إلى كرسي الحكم في تونس ومصر وليبيا مع مباركة ودعم أميركيين كما أشرت سابقًا، ألا يعتبر شكلًا من أشكال الرضاء الأمريكي عنهم، وألا يعتبرونشريكًا في المؤامرة مع أميركا بما أنهم كسبوا الشرعية من خلال هذا المخطط؟
التراجع الأميركي عن حماية أمن أقاليم عديدة في الوطن العربي وهي المسؤولة المباشرة عن حمايتها، كمنطقة الخليج ألا يعتبر شكلًا من أشكال الرضا الأميركي بالحالة الأمنية بالرغم من تهديد الإرهاب بشكل واضح لها؟ وعدم خوفها من نواتجهذه الحالة؟

أجاب صديقي عن كل الأسئلة السابقة مقتنعًا بـ(نعم) ليتأكد حينها أن أميركا متورطةفعلًا في صناعة هذا الربيع، بإسناد عامل الرغبة الشعبية الجامحة للتغيير فلعبت على هذا الوتر الذي ساهم في انطلاق مخططها، وظهر أنه لولا هذا العامل لما نجحت أميركا في تمرير مخططها على الأقل على بعض الدول.. قال صديقي باستغراب: ولكن المؤامرة لا تكون بطرف واحد فقط!
أجبته بسرعه: نعم؛ فأميركا تعاونت -مع سبق المصلحة المشتركة- مع دول وتنظيمات إسلامية ومتطرفة أيضًا وقاسمتهم المكاسب.
فدخلت إيران بحزب الله في سوريا وبغض النظر عن فشلها في تحقيق مكاسب استراتيجية، فلو كانت سعت إلى دعم الحل السياسي والحوار بين النظام والمعارضة أو دعمت مؤتمر جنيف 1 و 2 في ما بعد، لزالت شكوك اشتراكها بالمؤامرة، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث بل كان التدخل الإيراني عسكريًّا متمثلًابحزب الله والحرس الثوري الإيراني وألوية الجنرال قاسم سليماني.
قلت له أيضًا: في العراق إيران مشتركة في المؤامرة كذلك باشتراطها التدخل العسكري لوقف الإرهاب بتسيير مفاوضات برنامجها النووي.
كان الليل طويلًا والنوم يغالبني ولكني كنت مسرورًا باقتناع صديقي أن المؤامرة في حقيقتها كانت بتخطيط أميركي صرف؛ شاركت فيه دول ومنظمات إرهابية، ولو أن صديقي كان يحب الاستماع أكثر لما أذهله تلك الليلة لتحدثت له عن دور الإخوان في إحداث الفوضى في تونس وليبيا ومصر، والشروط الأميركية لتأمين وصولهم للحكم، وغيرها من دور إيراني في محاولة إنشاء إقليم شيعي في اليمنمتمثلًا في جماعة الحوثي، وهذا كله تحت آلية ذلك المخطط الذي طبق حرفيًّا كما قالت كوندليزا رايس: الفوضى الخلاقة، لتبتعد كل دواعي الخلاف بيني وبين صديقي في حقيقة المؤامرة الأميركية مع الأطراف الشريرة الأخرى لصناعة شرق أوسط أمريكي خالص أطلقت عليه للتلطيف الشعبي (الربيع العربي).

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    بارك الله فيك ووفقك ايلا مايحبه ويرضاه
    ابو خالد الحارثي