التعليقات: 0

وذرفت الدرعية دموعها

وذرفت الدرعية دموعها
weam.co/561128
محمد العمر

 لمحة سريعة (حي الطريف في “الدرعية” يعتبر عاصمة الدولة السعودية الأولى) لأنه ضم معظم المباني الإدارية في عهد الدولة الناشئة، ومن أبرزها قصر “سلوى” الذي تم إنشاؤه في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، حيث كانت تدار منه شؤون الدولة).

تعتبر الدرعية المحافظة الأولى في المملكة، وهي المكتنزة في داخلها التاريخ السعودي، بل وهي من أكثر المحافظات التي توليها القيادة اهتماما كبيراً، كيف لا وهي تُمثل رمزاً وطنياً بارزاً في تاريخ البلاد، كما أنها شكلت منعطفاً تاريخياً في الجزيرة العربية، واستمرت كذلك إلى أن اختار مؤسس الدولة السعودية الثانية الإمام تركي بن عبد الله في العام 1824هـ “الرياض” مقراً جديداً للحكم، وفي الدولة السعودية الثالثة وعلى يد الملك عبد العزيز رحمه الله تأسست إمارة الدرعية.

الدرعية هي كسائر محافظات ومدن وقرى وهجر السعودية، التي يطالها كغيرها الإصلاحات والتغييرات التي تواكب المرحلة وتحولاتها، فيما هو من صالح الدولة على عدة مستويات وأعلى الأصعدة ويخدم المواطن والمقيم.

لن تبقى بقعة على هذه الدولة جامدة صامته مُهمَّشة لأي عامل ولأي ظرف، بل وحتى الحرمين الشريفين اكتست بخير التعمير والتطوير لخدمة المسلمين عامة، لذا لا مكان مقدس (دينياً) في السعودية غير مكة والمدينة، أما الدرعية فهي رمز وطني شامخ.

هناك من يُصر على ربط الدرعية بالشيخ محمد بن عبد الوهاب فقط، والذي يعتبر هو مجدد الدعوة الإسلامية في نجد “ونحترمه ونقدره”، وللعلم فإن الشيخ لم يأتي بجديد عن الدين الإسلامي، سوى أنه حرص جاهداً على الحفاظ على سابق عهده الممتد من عهد النبوة المحمدية، أما اليوم والمضحك في الأمر أن هناك من يريد دعم توجه الشيخ في محاربة البدع، إلا أنه يقع فيها من خلال جعل الدرعية مزاراً دينياً مقدساً لا يقبل التطوير، بل وأن بعضاً منهم قال عن الدرعية مبالغاً “من هنا خرج التوحيد”، متناسياً أين نزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم هل هو “جهل أم عناد”؟.

الدولة السعودية بكل مراحلها السابقة واللاحقة تتبع منهجاً معتدلاً، وكما قال الملك سلمان: لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالا ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال”، لذا فهناك من حاول أن يربط الترفيه وتحديداً في الدرعية خلال فعالية سباقات “فورمولا إي” المنعقدة ما بين 13-15 ديسمبر الحالي وما صاحبة من عروض فنية وغنائية بأنه الانحلال بعينه، متباكيا على أطلال المكان ومن دُفن فيها وكأنها ثالث الحرمين.

هناك من يريد الاصطياد في المياه العكرة عبر تحريك العواطف، بل وخلط الحقائق وتزييفها من خلال بث بعض السموم الأيديولوجية لمصالح وأهداف خاصة لضرب الرؤية السعودية، والتباكي على أطلال سطَّرتها الروايات في أُمهات الكتب حفاظاً على التاريخ لا أكثر، فهذا النوع من البشر يُعرِّف الانحلال بمقاييسه التي تخالف تشدده، وأما الانحلال في عرفنا وتعريفنا فهو الانسلاخ التام من القيم الأخلاقية والدينية، لذا فإن ما يحدث من مشاركة جماعية في اطار الفرح والبهجة والترفيه واحترام الأخلاق العامة وعلى دراية بالجهات المختصة فهو تحت ضوابط ليس إلا، ومن يتجاوزه يتم تقييمه ومحاسبته، لذا لا يمكن أن نقذف الآخرين لمجرد عدم اتفاقنا معهم في الرؤية.

محافظة الدرعية بمرافقها، إرث تاريخي وحضاري أوصلناه للعالمية، حيث اعتمدت لجنة التراث العالمي تسجيل “حي الطريف” في الدرعية التاريخية على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو. ومن مرافق المحافظة، حي “البجيري” الذي يتَّسم بقيمته الثقافية وموقعه الإستراتيجي الذي يقصده القاصي والداني، وليس أخيراً “حي سمحان” وهو من أهم المعالم التاريخية والسياحية الشهيرة، ويجذب له السياح، كونه يضم عشرات من المباني الطينية التراثية، كل ذلك سيبقى مزاراً تراثياً سياحياً (وطنياً).

الدرعية التي بقيت طوال الفترة الماضية ترقب المتغيرات من حولها، وتستأنس بزوارها بين الفينة والأخرى عبر بوابة “البجيري” الشهيرة، إلا أنها ذرفت دموعها مؤخراً فرحةً بضيوفها القادمين من كل حدبٍ وصوب، لحضور تلك الاحتفالية الدولية الكبرى الـ “فورمولا إي” التي أشرف عليها وشرَّفها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث ذاع صيتها أكبر، وبقيت قبلة سياحية في ثلاثة أيام، بل وقادت بمحورها السعوديين إلى اكتشاف سعوديتهم، وتناغمهم مع ذاتهم في تنظيم فاق التوقعات والمألوف، بل شدني وأبهجني بعض السعوديين الذين استقبلوا اصدقائهم القادمين من كل مكان حول العالم خصيصاً لفعالية “فورمولا إي”، وكيف استضافوهم في منازلهم واستراحاتهم وادمجوهم بالثقافة والتقاليد والتراث السعودي، وسيبقون لعدة أيام يكتشفون هذا الوطن الغالي.

إنَّ التغيير الديموغرافي الفكري والسياحي والترفيهي والثقافي الرائع والمذهل بدأ يزحف على الأرض بفعل الناس أنفسهم وتفاعلهم معه، كيف لا وهم من يغيرون خارطة الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، وبأيديهم ينقلون للعالم الصورة المشرقة للوطن، وأننا لسنا بعد اليوم كما يروّجه الآخرين عن شخصنا وحياتنا.

 

 محمد العمر

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة