التعليقات: 0

جامعتنا نحو المستقبل

جامعتنا نحو المستقبل
weam.co/562242
د.طلال الشريف

أعلم أن مقالي لن يروق لكثير ممن لا يرون إلا الجزء الفارغ من الكوب وسيضعونه في إطار التزلف والتملق الإداري ؛ وحسبي أن لي ربّ يعلم ما أخفي وما أعلن ، ولي تاريخ ليس بالقصير في العمل الحكومي القيادي والإداري والتعليمي والأكاديمي زاد عن عقدين من الزمن ؛ ولم تعد تستهويني المناصب القيادية كثيراً لإيماني بأنها تستنزف الصحة العامة وتزيد من الضغوط الاجتماعية وتحرق الاتجاهات والممارسات الأكاديمية التعليمية والبحثية ، ومكاسبها الدنيوية قليلة ومسؤوليتها الآخروية عظيمة . وكان همّي الدائم في ممارساتي القيادية والإدارية التطوير والتحسين للواقع لإيماني وثقتي في الموارد المتاحة وخاصة البشرية منها والتي لم تستثمر بالشكل الصحيح حتى الساعة لنحقق من وراءها كل ما نصبوا إليه .

حديثي عن جامعتي التي أعتز بالانتماء إليها وأدين بالولاء لها ( جامعة شقراء ) جامعتنا الفتّية ذات التسع سنوات من العمر ؛ والتي تغطي أكبر مساحة جغرافية وتنموية على مستوى وطننا الحبيب ، تعرضت جامعتي لعمليات فصل توأمة متكرر عبر تاريخها من إدارت لتعليم البنات وجامعات وطنية آخرها جامعة الملك سعود ؛ وتقف على إرث إداري وتعليمي وأكاديمي متنوع وغريب ولا أبالغ إذا قلت مشوه ؛ تعاقب عليها أربع قيادات منذ التأسيس ، واجتهد فيها كل بحسب ما توفر له من وقت وموارد ، وكل مرحلة من المراحل لها ما لها وعليها ما عليها كأي مؤسسة حكومية ، ولست هنا في موقف المدافع عن الجامعة وسياساتها وقياداتها إطلاقاً – وإن كنت أرى ذلك حقاً مشروعاً بحكم الانتماء والولاء المؤسسي لو رغبت فيه – ولكن من باب الانصاف وجب علينا تبيان كثير من التحديات والحقائق وتوضيح كثير من الجهود التي تبذل في الجامعة للارتقاء بأدائها .

أبرز التحديات التي واجهتها جامعتنا عدم الاستقرار القيادي وتعاقب القيادات على إدارة الجامعة بمعدل قيادي واحد كل عامين ونيف وهذا الأمر لم يسمح للجامعة ببناء استراتيجيتها بالشكل المطلوب خاصة مع ضعف العمل المؤسسي وطغيان العمل الشخصي على استراتيجيات الجامعة وضعف وقلة الخبرات الإدارية للموظفين بصفتهم الأداة الرئيسيّة في ممارسة الأعمال التنفيذية على وجه الخصوص .ثم طبيعة العادات والتقاليد والثقافات والقيم في مختلف المحافظات التابعة للجامعة والتي تتسم بالتنافس والصراع الغير محمود وممارسة الضغوط على إدارات الجامعة المتعاقبة بهدف الحصول على النصيب الأكبر من خدمات الجامعة بغض النظر عن احتياجها الحقيقي ومتطلبات التنمية التي تحتاجها مما انعكس على الولاء للجامعة الأم والتضحية بشيء من سمعة الجامعة في سبيل الحصول على بعض المكتسبات الخاصة .وكذلك من التحديات إعادة توزيع الخدمات الجامعية والمشاريع الإنشائية في ظل غياب العدالة منذ تأسيس الجامعة وتركيز تلك الخدمات والمشاريع في محافظات دون أخرى ودون مراعاة دقيقة لمقومات كل محافظة من حيث موقعها الجغرافي وعدد سكانها واحتياجاتها التنموية بشكل عام .
وأخطر التحديات كان غياب الخطة الاستراتيجية للجامعة طوال أكثر من سبع سنوات تقريباً وممارسة الجامعة لمهامها التعليمية والإدارية والبحثية في تلك السنوات دون ما رؤية ورسالة مكتوبة ومعلنة وبدون برامج وأنشطة وسياسات واضحة ومحددة مما ترتب عليه غموض الرؤية وفقدان الاتجاه نحو الغايات النهائية للجامعة . وإيضاً ضعف عمليات الاستقطاب لأعضاء هيئة التدريس من السعوديين المتميزين وضعف عمليات التعاقد مع أعضاء هيئة التدريس في جميع التخصصات ؛ وأبعد من ذلك ضعف أداء عدد كبير من الأعضاء المتعاقدين في مجالات البحث العلمي على وجه الخصوص . ومن التحديات ضعف البنى التحتية وخاصة التقنية منها في ضوء التباعد الجغرافي الكبير لكليات الجامعات وعدم استثمار الموازنات الكبيرة التي خصصت للجامعة في سنواتها الأولى في عمليات البناء المتوازن لأبعاد العمل الجامعي والعمل بنظم تقنية وإدارية تقليدية وبطيئة لا تخدم سرعة الإنجاز المطلوبة لتطوير إداء الجامعة مما ساهم في غياب الربط بين كليات الجامعة وصعوبة تبادل الخبرات والاستفادة من المناشط في مختلف الكليات وزيادة الفجوة بين المستويات التنظيمية للجامعة . وكذلك ضعف إعلامنا الجامعي الموجه للمستفيدين داخل الجامعة وخارجها وعدم قدرته على تحقيق التأثير المنشود ؛ ليس ذلك فحسب بل وسلبيته في التفاعل مع توجهات الجامعة وخططها ومناشطها وتسويقها بما يسهم في تحقيق أهداف الجامعة وتوثيق عرى التواصل مع المستفيدين من خدماتها . ومن أصعب التحديات ضعف مستوى المعيدين المعينين في الجامعة منذ تأسيسها وعدم قدرتهم على استكمال برامج دراساتهم العلمية التخصصية سواء في الحصول على قبول أو عدم قدرتهم على الاستمرار في برنامجهم الدراسي في بلدان ابتعاثهم والغاء بعثات عدد ليس قليل منهم وتأثير ذلك على أداءهم التعليمي والبحثي .
ومن التحديات غياب برامج الدراسات العليا تماماً ذات القيمة العليا في تنشيط البحث العلمي وتبادل الخبرات في هذا المجال من خلال تنويع مدخلاتها وما يمكن أن تحدثه من أثر إيجابي على سمعة الجامعة وتصنيفها ضمن الجامعات البحثية مستقبلا . ومن التحديات المزعجة ضعف جاذبية بيئة الجامعة الخارجية في مختلف المحافظات لاستقرار أعضاء هيئة التدريس السعوديين وحتى المتعاقدين وبالذات في التخصصات العلمية ، وعدم توفر متطلبات الأعضاء المهنية والاجتماعية كتوفر المعامل البحثية وتوفر القطاع الخاص النشط لأبحاثهم واستشاراتهم وتوفر المناشط الأكاديمية من مؤتمرات وندوات وتوفر مدارس التعليم الأجنبي وتوفر الأندية الخاصة وغيرها كثير

هذه تحديات كبيرة وليس من السهل على إي إدارة جامعية مهما كانت قدراتها معالجتها ومواجهتها في زمن قياسي ؛ وهو ما يدفع الكثير إلى إلقاء اللوم على إدارة الجامعة في بطئها نحو الحد منها أو القضاء عليها وكأن إدارة الجامعة تملك عصا موسى لتحقق الآمال بين ليلة وضحاها . والحقيقة التي لا مراء فيها أن الجامعة تتجه نحو إعادة هندسة عملياتها بالكامل وأن عملية التغيير الجذري هذه تتطلب أدوات قوية بشرية ومالية ومادية ومزيد من الوقت .

وبنظرة عادلة فقد تحقق خلال السنتين الأخيرة العديد من الإنجازات التي لا يدركها من هم خارج منظومة الجامعة وحتى كثير ممن هم داخلها أهمها إقرار أول خطة استراتيجية على مستوى الجامعة والعمل على تنفيذها ، وإعادة هيكلة كليات التربية وكليات العلوم والدراسات الإنسانية كمرحلة أولى ، وبدأت أعمال لجان إعادة الهيكلة الشاملة للجامعة على مستوى الكليات وعلى مستوى البرامج ، وكم أتمنى شخصياً أن تتجه جامعتنا نحو نموذج الكلية الجامعية كأفضل نموذج عالمي تنموي حقق نجاحات غير مسبوقة في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين وذلك في جميع المحافظات بلا استثناء باعتباره النموذج المصغر للجامعة بمفهوم الجامعة لكل العلوم والتخصصات وبحيث تتضمن الكلية الجامعية جميع التخصصات الطبية والهندسية والإدارية والعلمية والإنسانية عموما ، واستقطاب أقوى الكفاءات البحثية والتعليمية من السعوديين والمتعاقدين للعمل في هذه الكليات الجامعية ومنحها الاستقلالية والحرية الأكاديمية والإدارية والمالية للنهوض بالمحافظات وتنميتها . ومن الإنجازات إنهاء عقود كثير من أعضاء هيئة التدريس المتعاقدين بعد تقويم ومراجعة دقيقة لمؤهلاتهم وخبراتهم ومستوى أداءهم ، وتجويد وتحسين الممارسات التعليمية داخل القاعات الدراسية من خلال توفير أنظمة المتابعة الالكترونية الدقيقة كنظام التحضير الإلكتروني ونظام طَي القيد ونظم تقييم الطلاب للأعضاء وذلك لالتزام الطلاب والأعضاء بمهامهم ومسؤولياتهم ، وانجاز المتطلبات الأولية للتطوير والجودة في مجال المقررات والمناهج من خلال استكمال نماذج توصيف المقررات ومحتويات ملفات المقررات وفق متطلبات الاعتماد الأكاديمي وتوقيع اتفاقية الدراسة التقويمية مع الجهات ذات العلاقة للانطلاق الفعلي نحو الحصول على الاعتماد المؤسسي ، وتغيير الأنظمة الالكترونية المالية لآليات الإنفاق والشراء والعهد وخلافه ، وتعديل وإقرار بعض مواد لائحة الابتعاث الخارجي والداخلي بما يكفل الإعداد والتأهيل المناسب لمبتعثي الجامعة وبما يسهل للمعيدين استكمال دراساتهم العليا وخاصة الطالبات ، وإعادة تأهيل بعض موظفي الجامعة داخل المملكة وخارجها ؛ وتوقيع اتفاقيات تعاون وشراكة مع جامعة خارج المملكة لتدريب عدد من الطلاب في فترة الصيف ، وتوقيع اتفاقيات تعاون مع عدد من الجامعات السعودية المرموقة لتبادل الخبرات ، وتحقيق إنجازات متميزة ومراكز متقدمة على مستوى الأنشطة الطلابية داخل الجامعة وخارجها .
ومع كل ما ذكرت من إنجازات ملموسة لكل منصف ؛ أتفق مع وجهة نظر أن هناك بطء كبير في سياسات وإجراءات جامعتنا نحو عملية التطوير والتحول السريع وهو ما يتطلب من قيادتنا إعادة النظر في بعض الأدوات بتطويرها أو تغييرها إن لزم الأمر لتواكب هذه التغييرات إيقاع العصر المتسم بالسرعة والجودة لتحقيق الميزة التنافسية المأمولة ، واليقين بأن عمليات التغيير الجذري وإعادة هندسة العمليات تحتاج إلى مزيد من الثقة والمشاركة الفعلية ومشرط جراح من نوع خاص وقوي لإجراء عمليات التغيير والتطوير ، وحتماً سيكون هناك مقاومة طبيعية يمكن التعامل معها بأساليب إدارية حديثة ووفق اللوائح والأنظمة .
وختاماً ؛ ما أريد الوصول إليه أن جامعتنا تسير في الطريق الصحيح حتى وأن كان سيراً بطيئا ، وأنه ليؤسفني جلد الذات في حواراتنا عن جامعتنا داخل أروقتها خاصة فضلاً عما يثار حولها في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والنظر فقط للسلبيات وتجاهل الايجابيات وضعف تفاعلنا مع متطلبات المرحلة التطويرية والاسهام في ردم الفجوة بين واقعنا ومستقبلنا والفجوة في علاقتنا الفردية وعلى المستويات الإدارية وبين وحداتنا في الجامعة . إننا بحاجة للإيمان بأن جامعتنا كغيرها من الجامعات الناشئة لا تخلو من التحديات والمعوقات وأنها بحاجة ماسة لجهودنا جميعاً بلا استثناء من الأساتذة والطلاب والموظفين والمؤسسات والأهالي لتعزيز توجهاتها ودعم مشروعاتها والتضحية من أجلها والاعتزاز بها .

 

د.طلال الشريف

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة