التعليقات: 0

بيروقراطية العقول

بيروقراطية العقول
weam.co/563130
د. خالد بن عواض الثبيتي

قرأت قبل أسابيع مقالاً عن نهاية البيروقراطية، وتبادر إلى ذهني تساؤلات كثيرة هل بالفعل البيروقراطية انتهت؟ هل البيروقراطية سيئة لهذه الدرجة التي جعل معظم الناس وخصوصاً الإداريين والقياديين يتحدثون في الندوات واللقاءات عنها وما تسببه من تعطيل للعمل وتأخير للمعاملات لدرجة أن البعض يرى أن البيروقراطية هي العدو اللدود لتطوير العمل الإداري.

وغيرها من التساؤلات التي جعلتني أقف كثيراً حول الموضوع والبحث حول علاقة البيروقراطية بالعمل الإداري والدور الذي تؤديه، والتأكد من أن تعطيل الأعمال في المؤسسات يعود للبيروقراطية.

فالبيروقراطية هي طريقة للتنظيم الإداري لمجموعة من الناس يعملون معاً، حيث تعتمد المؤسسات بقطاعيها العام والخاص بما في ذلك الجامعات والحكومات والمؤسسات التعليمية والصناعية والاجتماعية على البيروقراطية، فالبيروقراطية تساعد على ضمان أن يعمل الآلاف من الناس معاً بطرق متوافقة من خلال تحديد أدوار الجميع ضمن التسلسل الهرمي.

فالبيروقراطية تتمتع بعدة خصائص منها:
تسلسل هرمي واضح: حيث تتمتع بسلسة قيادة قوية، ويكون لكل موظف مكانه الخاص في السلسلة، ويتم الإشراف والرقابة من صاحب الصلاحية أو السلطة؛ حيث تبدأ السلطة من أعلى التسلسل الهرمي ثم تبدأ بالتناقص عند اقترابها من نهاية الهرم.

التخصص: فكل شخص في البيروقراطية لديه وظيفة محددة للقيام بها، بحيث يصبح خبيراً بها.

تقسيم العمل: يتم تقسيم العمل إلى أجزاء، ويتم توزيعها على الموظفين حسب تخصصاتهم ومؤهلاتهم وخبراتهم.
مجموعة من القواعد الرسمية (إجراءات العمل الرسمية) وهي واضحة؛ لأنها عبارة عن تعليمات مكتوبة لكل وظيفة متخصصة في كل مستوى من مستويات التسلسل الهرمي.

يتضح مما سبق أن البيروقراطية طريقة جيدة ورائعة لتقسيم العمل وتبسيطه وتوزيع المهام وهي مجموعة من القواعد والإجراءات التي تضمن انسيابية العمل وتحقيق أهداف المؤسسة.

السؤال: أين الخلل إذن؟
قمت بدراسة استطلاعية استخدمت بها المنهج النوعي والملاحظة كأداة للدراسة لعدد من المؤسسات المختلفة وتوصلت إلى النتائج التالية:

– أن تقسيم العمل وفق مفهوم البيروقراطية هو عمل جيد يساعد على تحديد المسؤوليات وتوزيع المهام والأعمال ومتابعتها والتأكد منها، ولولا وجود تلك التنظيمات الجيدة لأصبحت الفوضى تعم كل المؤسسات نتيجة التداخل وعدم وضوح المهام وضياع المعاملات.

– أن كل مؤسسة لها لوائح وأنظمة تكفل لها العدالة والشفافية والوضوح في التعاملات الإدارية والإجراءات المتعددة، والبيروقراطية تتيح للمسؤولين في كل مؤسسة تصميم التنظيمات الإدارية التي تتماشى مع النظام وتسهم في إنجاز الأعمال، ولكن للأسف، فمعظم القائمين على العمل القيادي والإداري في المؤسسات لا يجيدون العمل الإداري ولا يفقهون تنظيماته، فبالتالي يضعون تنظيمات إدارية تسهم في تعطيل وتأخير الأعمال وتسبب كثيراً من الهدر.

– البيروقراطية مرتبطة بتاريخ معين للمؤسسة وقوانينها وقراراتها المرتبطة هي الأخرى بحال المجتمع (قل لي كيف تفكر مؤسستك أقول لك من أنت).

– المركزية الشديدة التي صنعها القادة والإداريون في المؤسسة ولم تصنعها البيروقراطية التي تؤمن بتقسيم العمل وتوزيع المهام وممارسة السلطات في التنظيم الهرمي، فحب السلطة وتملك الأمور لدى أولئك القادة أدى إلى التأخر الشديد في الأعمال، وأدى إلى تعطيل الإجراءات الإدارية، وأدى إلى تعطل عجلة النمو والتطوير في المؤسسة، فالبيروقراطية بريئة مما يعمله القادة بها.

– البيروقراطية توضح لكل موظف في المؤسسة مهامه وأدواره، ولكن الإداريون القائمون على العمل يريدون أن يقوموا بكل المهام، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تهميش أدوار الموظفين في المؤسسة وتعطيل مهامهم؛ مما يكون له الأثر السلبي على الموظف.

اسمحوا لي أن نقدم اعتذارنا الشديد للبيروقراطية، فهي بريئة من ممارسات الإداريين الخاطئة في المؤسسات المختلفة ومركزيتهم الشديدة حتى أصبحت البيروقراطية هي شماعة التخلف الإداري في المؤسسات.
وانقلوا عني أن البيروقراطية تنظيم إداري جيد يوضح المسؤوليات والمهام.

وأن ما يحدث في المؤسسات من تعطيل للعمل الإداري وهدر للموارد هو بسبب العقول القائمة على العمل الإداري بها، ولو استبدلت البيروقراطية بأنظمة عمل متطورة ستظل بيروقراطية العقول هي التي تدير العمل وهي الحاضرة في كل الأعمال.

العمل الإداري يحتاج عقلية إدارية

*أستاذ الإدارة والتخطيط الاستراتيجي المشارك

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة