سائق بثمان لغات

منذ مدة ليست بالقصيرة لم أركب مع سيارة أجرة، وعندما احتجت إلى ذلك شاء الله أن تكون هذه القصة الملهمة التي كان بطلها السائق الأفغاني محمد إقبال، يقول إقبال أنه يعمل في السعودية منذ ثلاث سنوات وكان قبل ذلك قد عمل في دبي لمدة تقارب الخمسة عشر عاماً في مهنة التعليم.

حيث يمتلك إقبال في رصيده اللغوي ثمان لغات مختلفة منها: الهندية، والبنغالية، والباكستانية، والعربية، والإنجليزية، والروسية، الفلبينية، والإيرانية.

قصة محمد إقبال قصةٌ ملهمة؛ فهو يعمل بتفان وإخلاص ورضا بما كتبه الله له، ويرى في مهنته التي تصنف من أقل المهن كمستوىً اجتماعي؛ بأنها كمهنة السفير الذي يتعامل مع مختلف الجنسيات وينقل لهم صورةً حقيقية عن بلده وشعب بلده، ولا يرى في ذلك عيباً بعد أن امتهن التعليم في الامارات العربية المتحدة، وحصل على شهادة متخصصة من روسيا.

يقول إقبال أنه سمع نصيحةً في ذات يوم من أحد الركاب الذين اختلف معهم حول قيمة المشوار ولا زالت تلك النصيحة عالقةً في ذهنه يتذكرها ويعمل بها في كل يوم، كانت قيمة التوصيل لذلك الراكب 15 ريال لكن الراكب أصر على دفع 10 ريالات فقط وقال وهو ينزل من سيارة الأجرة: “لا ترفض أي مبلغ قليل يقدم لك طمعاً في مبلغ أكبر”، كانت تلك النصيحة بمثابة القاعدة الذهبية التي حفظها إقبال وعمل بها من منطلق أن البركة قد تكون في القليل، وأن الطمع أحياناً قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، وربما كان التنازل عن بعض المبالغ من باب مراعاة ظروف المحتاجين سبباً في توفيق الله وزيادة الرزق.

برأيي أن الإنسان الموفق هو من يستطيع الخروج من دائرة الضيق إلى الدائرة الأوسع عندما يبدأ بالتفكير وإعمال العقل، فكم من الفقراء وأصحاب المهن المتواضعة من يعيشون سعادةً عظيمةً لا يشعر بها ولا يعيشها المرفهون وأصحاب الجلود الرقيقة؛ فالمسألة إذاً مسألة فكر فكما منح الله الناس الأجساد والقدرات المختلفة منحهم العقول التي تتمايز من شخص إلى آخر وعن طريق الفكر فقط تستطيع الحكم على الناس ومعرفة مكنوناتهم عندما يتحدثون.

وكما كان هذا السائق المتفائل فهناك الكثير من المتشائمين الذين ينظرون لأعمالهم وقدراتهم بسوداوية وسلبية، فهم يمتلكون إمكانات هائلة تفوق غيرهم ويحملون مؤهلات لا توجد لدى كثير من سواهم ويعملون في أماكن يتمناها غيرهم، ولكنهم في مقابل ذلك يملكون عقولاً خاوية وأجساداً منهكة لم تعتد على الكد والجهد حتى في أبسط الأمور، وآثر أصحابها الراحة وهربوا من التغيير لأن ذلك ليس من صفاتهم، تفرغوا للقيل والقال والتقليل من المبدعين، في حين أن من يقللون منهم تجاوزوهم بسنوات؛ لأن الفارق هنا هو الطموح وعلو الهمة التي يهبها الله لمن يشاء ويصرفها عمن يشاء.

إن من أكثر علامات الإنهزامية وضوحاً عندما تجد من يتحدث عن صعوبة الإنجاز وإحداث الفارق في وقت توافرت فيه مختلف أساليب النجاح التي لم تكن موجودةً في زمن العلماء والعباقرة الذين سبقونا بمئات السنين، ورغم شح الإمكانيات في زمنهم إلا أنهم أثروا العالم باكتشافاتهم واختراعاتهم التي ساهمت في تطور البشرية وازدهارها، ويعود السبب في ذلك إلى تسلل الإنهزامية والاستسلام إلى نفوس البشر الذين يعملون بشكل روتيني وممل، وألغوا من عقولهم مسألة التميز والإبداع فأصبحوا فاشلين.