36 ْ تحت الصفر

0

الموعد يوم الاثنين 29 مارس 2010 أما التوقيت فقبل غروب شمس ذلك اليوم ، كنت مع بدايات فصل الربيع هناك . و أنا أنظر من نافذة الطائرة إلى أرض سمعت أن بها من الطبيعة الشيء الكبير  ولكن ما رأيته ، أرضا يابسة أحرقها زمهرير الشتاء القارس  وصلت لتلك الأرض  في أقصى الركن الشمالي الغربي من الكرة الأرضية.

و عند خروجي من المطار بدأت أرتعد من شدة البرد – و نحن كما ذكرت في بداية فصل الربيع – بعد أيام من وصولي اعتدت الاستيقاظ كل صباح باكر  و أنظر من النافذة  و إذ ببياض الثلج يكسو المكان كحالة استثنائية ، و لأول مرة في حياتي الثلاثينية أرى هذا المنظر !!

خرجت من المنزل و قبل ذهابي للدراسة تلمست الثلج على الأرض في لحظة بهيجة بالنسبة لي . مرت الأيام تلو الأيام ، و بدأ الجو بالاعتدال إلى أن وصل في صيفه إلى 27 ْ مئوية تقريبا .

وبعد أشهر ، ومع نهاية تساقط الأوراق ، بدأت بوادر ذاك الشتاء الذي قرأت عن درجات برودته الشديدة كثيرا .

جاء الشتاء الموعود ومع بداية تساقط الثلوج اعتاد جسدي قليلا على البرودة هناك . لم أكن أتخيل مع مرور الأيام و مع شدة البرد أني آخذ هذا الوقت الطويل في البيت ؛ لأرتدي هذا الكم الكبير من الملابس لتوقي البرد .

ما زلت أتذكر عندما كنت أضع سيارتي في المواقف و أمشي سريعا إلى باب الجامعة و أنا بصعوبة أفتح طرفاً من إحدى عيناي من شدة الرياح و البرودة ، و أحدّث نفسي كيف للناس العيش هنا ؟!.

و أستعجب عندما يمر بجانبي رجل أو امرأة لا يلبس إلا معطفا خفيفا فقط و يمشي الهوينا ، و كأنّ شيئا لا يحدث.

ذات يوم كنت أقلّب هاتفي النقال ( الجوّال ) ليلا ؛ لأتفقد درجة الحرارة ، و إذ هي 33 ْ تحت الصفر ، و ( Feeling ) ما نشعر به هو 36 ْ تحت الصفر . لم أتخيل يوماً أني سأعيش في مثل هذه الأماكن الباردة التي تصل برودتها إلى هذا الحد .

حتى أننا كطلاب مبتعثين عندما نسمع أن درجة البرودة ستنخفض إلى 14 ْ تحت الصفر ظهراً ، نفرح و نستعد للخروج لنزهةٍ إلى البحيرة المجاورة التي تجمدت و لا ترى لها أثراً ، إلا بياض الثلج أمامك .

انتهى الشتاء المخيف و عادت الأيام الطبيعية مرة أخرى حتى أنني اعتدت البرد الشديد هناك . و ما أن أتى الشتاء التالي في تلك البلاد إلا و بدأت ملابسي تخف عن العام الذي قبله و بدأت أخرج أحيانا بدون قفازات تقي يديي من البرد . هي اعتادت الوضع لا غير .

انتهت تلك الأيام الجميلة بالنسبة لي، و يقدر الله لي بالعيش في مدينة ( جدة ) شديدة الحرارة و الرطوبة ، و التي تصل أحيانا درجة حرارتها في صيفها إلى أكثر من 40 ْ مئوية . و بدأت أيضا اعتاد الحر الشديد هنا شيئا فشيئا. لأن الإنسان بطبعه يتكيف و يتأقلم ، ليس على مستوى الأمور الجسدية فقط ، بل ماهو أعمق من ذلك .

همست في نفسي لأردد : هو الإنسان الذي بطبعه يتكيف مع الظروف ، يستطيع التأقلم و التعود على ذلك. جميل ما قرأت و بالذات في ختام هذه الأيام الفضيلة التي نعيشها.

والهدف ما بعد ذلك ، أننا نكتشف استطاعتنا صيام الأيام التوالي بدون ماكنا نتصور أنها صعبة ، بل ترك البعض التدخين لساعات النهار كاملة مثلا ، وهو كان يوهم نفسه أنه لا يستطيع أن يتوقف عن ذلك للحظات ، نعيش دورة تدريبية إن جاز لنا إطلاق ذلك خلال شهر متكامل.

استطعنا التأقلم على أمور ايجابية لم يتعود عليها البعض خلال عام كامل . هو التأقلم يا سادة و هي طبيعة الإنسان أن يعيش مثلا في مكان درجة حرارته تصل 36 ْ تحت الصفر ، ثم يعيش في مكان آخر درجة حرارته تزيد عن 40 . فلا توهم نفسك و تغلفها بالسلبية و عدم المقدرة .

[email protected]