خادم الحرمين: الدين الإسلامي شرع مطهر وليس رأيا يرتجل

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ـ حفظه الله ـ أن المملكة العربية السعودية أدانت كافة أشكال التطرف والعنف والإرهاب، وواجهتها بالفكر والعزم والحسم، وأكدت براءة الإسلام منها، وطالبت بأنّ تسود قيم العدل المجتمعات الإنسانية كافة، وأخذت على عاتقها العمل على نشر السلام والتعايش بين الجميع، وأنشأت لذلك المراكز والمنصات الفكرية العالمية.

جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها نيابة عن الملك المفدى – رعاه الله -، صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة اليوم في حفل افتتاح المؤتمر الدولي حول ” قيم الوسطية والاعتدال في نصوص الكتاب والسنة”، وإعلان “وثيـقة مكة المكرمـة” الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي ، ونقل خلالها تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز راعي المؤتمر، وفيما يلي نصها ..
الحمدلله .. والصلاة والسلام على رسول الله
أصحاب السماحة .. والفضيلة .. والمعالي الحضور الكريم ..
أحييكم بتحية الإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني أن أرحب بكم في أفياء أم القرى مكة المكرمة، وبركات هذا الشهر الفضيل .. حيث يجتمع شرف المكان والزمان، ولقد حالفكم التوفيق والسداد باختياركم ” قيم الوسطية والاعتدال في نصوص الكتاب والسنة” موضوعاً لمؤتمركم الموقر، تلك القيم التي قامت عليها المملكة العربية السعودية، والتي لا تزال تؤكد سلامة هذا المنهج ودوره في حماية بلادنا العزيزة وتحقيق أمنها ورخائها ومنعتها في مواجهة كافة محاولات اختطاف المجتمع _ يميناً أو يساراً_ عن هذا الوسط العدل الذي جاء به ديننا الإسلامي الحنيف، والتأكيد على نقاء الشريعة الإسلامية من كل فكر دخيل عليها، إيماناً بأن الدين شرع مطهر وليس رأياً يرتجل، وأن كل رأي ليس معصوماً في المطلق، مع تقديرنا للاجتهادات المسندة بالأدلة القاطعة لعلماء الأمة ومفكريها التي أثرت العلوم الإسلامية والإنسانية.

الحضور الكريم ..
ولقد أدانت المملكة العربية السعودية كافة أشكال التطرف والعنف والإرهاب، وواجهتها بالفكر والعزم والحسم، وأكدت براءة الإسلام منها، وطالبت بأنّ تسود القيم العدل المجتمعات الإنسانية كافة، وأخذت على عاتقها العمل على نشر السلام والتعايش بين الجميع، وأنشأت لذلك المراكز والمنصات الفكرية العالمية.

وإننا في المملكة العربية السعودية، وانطلاقاً من التزامنا بهدي الشريعة في أفقها الوسطي المعتدل، ومن مسؤوليتنا الإسلامية عن قدسية القبلة الجامعة ومهوى أفئدة المسلمين، نجدد الدعوة إلى إيقاف خطاب العنصرية والكراهية أياً كان مصدره وذريعته، كما ندعو إلى الإصغاء لصوت الحكمة والعقل، وتفعيل مفاهيم التسامح والاعتدال، مع تعزيز ثقافة التوافق والتصالح، والعمل على المشتركات الإسلامية والإنسانية، فعالم اليوم أحوج ما يكون إلى القدوة الحسنة ـ التي نقدمها نحن المسلمون ـ والتي تعمل على نشر الخير للبشرية جمعاء، تحقيقاً لرسالة ديننا حيث يقول الحق سبحانه: ( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين). وفي سياق هذا المؤتمر نقدر الجهود التي تقوم بها رابطة العالم الإسلامي أداء لواجبها الكبير نحو رسالتها الإسلامية والإنسانية، سائلاً المولى ـ جل وعلا ـ أن يكلل مؤتمركم بالتوفيق والنجاح، وأن يبارك مساعينا جميعاً لما فيه صالح الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”

وكان المؤتمر الدولي حول ” قيم الوسطية والاعتدال في نصوص الكتاب والسنة”بدأ أعماله بالقران الكريم ، ثم ألقى مفتي الجمهورية اللبنانية الدكتور عبداللطيف دريان كلمة أوضح فيها أهمية المشاركَة في المؤتمرِ العالميِّ الذي تنظمُه رابطةُ العالم الإسلامي بعنوان : (قيمُ الوسطيةِ والاعتدالِ في نصوصِ الكتابِ والسنة) ، برعايةٍ كريمةٍ من خادمِ الحرمين الشريفين الملكِ سلمان بن عبد العزيز، حفظه اللهُ .
وبين أن هذا المؤتمر العالمي يأتي انعقاده في رحابِ مكةَ المكرمة وفيها قِبلةُ العربِ والمسلمين ، ومن أرضِ المملكة العربية السعودية مملكةِ الحزمِ والعزمِ والخيرِ والعطاءِ ، الحريصةِ والمؤتمنةِ على القضايا العربيةِ والإسلاميةِ المحقةِ ، بتوجيهٍ كريمٍ ومباشر ، من خادم الحرمين الشريفين ، الحريصِ على رفعةِ وعزِ الأمتين الإسلامية والعربية .

وأكد أن سمات الأُمَّةِ الوَسَط هي القِوامةُ والشَّهَادَةُ وَالقِسْطُ . أمَّا القِوامَةُ والشَّهادَةُ فَهُما أَمرانِ مَبْدَئيَّان، قَاعِدَتُهُمَا الكَلِمَةُ السَّوَاء : ?قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ? فالتَّشدِيدُ على الوَحْدَانِيَّة ، وَعَلى عَدَمِ التَّربُّب ، هُمَا القِوَامُ النَّظَرِيُّ للشَّرَاكَة ، أَوِ القَوَاسِمُ المُشْتَرَكَةُ مَعَ أَهلِ الكِتَاب ، وَهُمَا الأساسُ لِلتَّعارُفِ بِالقِسْطِ مَعَ النَّاسِ جَمِيعاً ، على مُستَوَى السِّيرَةِ والسُّلُوك.

وقال :” يجب علينا أَنْ نَعْتَرِفَ أنَّ الاخْتِلالَ نَالَ مِنَ الأَمْرَين : أَمْرِ الالْتِزَام ، أَمْرِ نَهْجِ الأُمَّةِ الوَسَط ، بِشُيُوعِ الانْشِقَاقَاتِ بِدَوَاخِلِنَا ، وَأَمْرِ التَّعَارُفِ بِشُيُوعِ سُوءِ العَلاقَةِ مَعَ العَالَم وَليسَ مِنَ المُفيدِ اعتبارُ الأَمْرِ الثَّانِي نَاجِمًا عَنِ الأَمْرِ الأَوَّلِ أَوِ العَكْس بِمَعنَى أنَّ المُتَغَيِّرَاتِ بِالدَّوَاخِل ، ليسَتْ بِالضَّرُورَةِ رُدُودَ أَفْعَالٍ على مُتَغَيِّرَاتِ الخَارِج ، كَمَا أَنَّ مُتَغَيِّرَاتِ الخَارِج ، ليْسَتْ بِالضَّرُورَةِ رُدُودَ أَفعَالٍ على مُتَغَيِّرَاتِ الدَّاخِل. لقد حَدَثَ الأَمْرَانِ في الوَقتِ نَفسِهِ تَقرِيباً ، وَسَادَ التَّنَكُّرُ وَالإنكَارُ مِنَ الطَّرَفَين ، أَوِ الأَطْرَافِ المُخْتَصَّة ، بِحَيثُ انْصَرَفَ كُلُّ طَرَفٍ إلى إِلقَاءِ المَسْؤُولِيَّةِ على الطَّرَفِ الآخَر” .

وأشاد مفتي الجمهورية اللبنانية بمَا قَامَتْ بِهِ المملكة العربية السعودية والدول الإسلامية في مُكَافَحَةِ التَّطَرُّفِ العَنِيف مبينا أن الجميع مُحتَاجُون ، وَبِمُقْتَضَى سَبِيلِ الأُمَّةِ الوِسِط ، إلى التَّأَهُّلِ وَالتَّأْهِيل ، وَهُمَا أَمْرَانِ يَقْتَضِيهِمَا التَّعَارُف فَلا بُدَّ مِنْ أَنْ نَقبَل، وَفي ضَوءِ الفَهْمِ المُتَجَدِّدِ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّة ، على مَعرِفَةِ مُجْتَمَعَاتِنَا وَشَبَابِنَا أَكْثَر ، وَعلى مَعرِفَةِ العَالَمِ وَمُتَغَيِّرَاتِهِ أَكْثَر .

وأكد في ختام كلمته إنَّ المَطلُوبَ لِاسْتِعَادَةِ نَهْجِ الأُمَّةِ الوَسَط ، وَالاهْتِدَاءِ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم ، هُوَ الاسْتِمْرَارُ بِالتَّأَهُّلِ وَالتَّأْهِيلِ لِنَشْرِ البُشْرَى : ?إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيراً? . وهذا هُوَ الاحْتِسَابُ بِعَينِه ، أيِ العَمَلُ الصَّالِح ، مِنْ أَجْلِ الأَجْرِ جَزَاءً وَاحْتِسَاباً.

إثر ذلك ألقى مفتي الديار المصرية فضيلة الشيخ الدكتور شوقي علام ، كلمة عبر فيها عن الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ورعاه ـ وقال :” إن المقصود بالطائفة المنصورة في الحديث الشريف في أوسع وأرحب وأشمل معانيها ما ذهب إليه الإمام النووي رحمه الله وعبر عنه بقوله ( يحتمل أن تَكُونَ هذه الطائفةً فرقةً من أنواع المؤمنين ممّن يُقيمُ أمر الله تعالى من مُجاهدِ وفقيه ومحدث وزاهدِ وأمر بالمعروف وعَبر ذَلِكَ ) . والحق الذي تحمل رايته هذه الطائفة المنصورة هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رحمة وخير وسلام وأمن وتعايش للبشرية كلها؛ فالإسلام دين سلام ودين رحمه ودين أمن وأمان “.

وأضاف :” كلنا يعلم ما تتعرض له المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا بل والمنطقة بأسرها ، من حملات إرهابية إجرامية وهجمات مغرضة شرسة على الصعيدين الداخلي والإقليمي وهذه الحملات الإرهابيةً كما يعلم الجميع – تقف وراءها قوى شر متآمرة ، ترفع راية الشر والدمار والإرهاب وتدعم تلك الجماعات الإرهابية بالمال والسلاح ، لذلك فإن الوقوف إلى جانب الحق والخير والوسطية الذي ترفع رايته المملكة العربية السعودية إلى جانب مصر وكافة دول المنطقة التي لم تتورط في دعم الإرهاب لهو فرض عين وواجب على كل مسلم وهو أيضا واجب أخلاقي ومبدأ إنساني ، تدعمه دول المجتمع الدولي بموجب المواثيق والعهود الدولية الداعمة والمؤيدة للخير والسلام”.

وأكد أنه لابد أن تتحول المؤتمرات إلى برامج عمل تلامس الواقع وتناقش قضاياه ، وتعمل على إيجاد الحلول المناسبة لكافة المشكلات والقضايا ، وفي مقدمتها قضية محاربة الإرهاب من خلال مناقشة الأفكار وتصحيح المفاهيم، مشددا على أنه بات مستقرًا لدى الجميع أن قضية مكافحة الإرهاب إلى جانب أنها قضية أمنية فهي قضية فكرية في المقام الأول ، وقال :” إن كل عالم وسطي حر من حملة المنهج الوسطي في العالم الإسلامي يشعر بالمسؤولية الجسيمة . مهما بلغ به الجهد والتعب جراء كل قطرة دم معصومة سفكتها يد الإرهاب الغادرة ، وعند كل تفجير يحدث هنا أو هناك في بلاد المسلمين أو غير المسلمين ، نشعر بالمسؤولية تجاه الشباب الذي غرر به فأفلت من بين أيدينا حتى سقط في شباك الإرهاب الغادرة ،ونشعر بالمسؤولية كذلك تجاه كل نفس أزهقت ، وكل روح طاهرة صعدت إلى بارئها جل وعلا بسبب العمليات الإرهابية الغادرة ، وهذا الاستشعار بالمسؤولية كان من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه ومقتضى ولازم رحمته صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين.

بعد ذلك ألقى رئيس مجلس الإفتاء بدولة الإمارات العربية المتحدة رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الشيخ عبد الله بن بيه كلمة عبر فيها عن شكره للمملكة على تنظيم هذا المؤتمر ، مبينا أن الأُمَّةِ الوَسَط هي أمة بعيدة عن الإفراط والتفريط وتتميز بالاعتدال في المنهج وبعيدة كل البعد عن الإرهاب بكافة أشكاله وصوره فهي أمة رحمة وعطاء وتضحية وليست أمة تنازع وتنافر ، داعيا المجتمعات الإسلامية إلى التمسك بالكتاب والسنة في منهجها الوسطي المعتدل القائم على العدل والحق .

وعبر في ختام كلمته عن شكره لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين ـ حفظهما الله ـ على كل مايقدمانه في سبيل نصرة الأمة الإسلامية في جميع المجالات ومنها مكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب بجميع أشكاله وصوره .

ثم ألقى الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين كلمة رفع في مستهلها الشكر لخادم الحرمين الشريفين، ولسمو ولي عهده الأمين ـ حفظهما الله ـ على الرعاية الكريمة لهذا المؤتمر الدولي المهم ، مؤكدا أنه يأتي امتداداً واستكمالاً لمواقف المملكة الواضحة والثابتة في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال في العالم الإسلامي، ودعمها المتواصل لكل ما يجمع ويوحّد شمل المسلمين، ويبسط الأمن والاستقرار في أوطانهم .
وقال:” إن المسلمين ابتلوا بمهددات ومخاطر من داخلهم بسبب الغلو والتطرف والميل عن سبيل الوسطية الذي خطّ سبيل المسلمين طيلة القرون السالفة، ومكّن لهم في الأرض بعد أن وقفت الأمم والشعوب والثقافات على السماحة واللين التي يتسم بها المسلمون أينما حلوا ،و لقد أدخل الحيد عن سبيل الوسطية أوطان المسلمين على اختلافها في أتون الخلاف والاختلاف بل وفتح علينا باب العنف والإرهاب الذي عاث في أمننا واستقرارنا فساداً، بعد أن كانت أوطاننا مأوى للآمنين وملجأً للخائفين، ومضرب مثل للاستقرار والأمن والأمان.

وبين الدكتور العثيمين أن انحراف فكر بعض الجماعات في العالم الإسلامي عن منهج الوسطية والاعتدال اللذين رسخهما القرآن الكريم وأحكمتهما السنة النبوية يقف وراء حالة الفوضى والعنف التي تعصف بالعديد من البلدان والأوطان الإسلامية، ولا سبيل للعودة إلى الأمن والاستقرار إلا بإعادة ترسيخ قيم الوسطية وتنحية كل قيم الانحياز والتحيز والتشدد على مستوى الخطاب الديني وعلى مستوى الممارسة الدينية والاجتماعية.

ونوه بالجهود الصادقة للمملكة العربية السعودية في تعزيز مبدأ الوسطية وتنقية الإسلام من الأفكار المتطرفة الزائغة عنها ، مضيفا ” أن المملكة العربية السعودية اتخذت خطوات جريئة وسنت سياسات حازمة وسحبت البساط عن مدعي التدين وعرّت حجج التشدد ونزعت الغطاء الشرعي الذي أوهم به المتشددون العوام وأصبحت التجربة السعودية في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال محل تقدير دول العالم الإسلامي تستفيد منها وتستنجد بها، لتؤكد بلاد الحرمين الشريفين أنها المرجع الموثوق في كل ما يتعلق بالإسلام، ويلتف حولها علماء الأمة الإسلامية من أمثالكم لتكونوا المرجع في تجديد الخطاب الديني، ومحاربة التطرف ونشر الاعتدال والوسطية، وهي المقاصد الأسمى لاجتماع الأمة وتعزيز السلم والأمن في العالم “.

وأشار إلى إن منظمة التعاون الإسلامي تحمل على عاتقها مسؤولية توحيد جهود الدول الإسلامية في جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتعد المنظمة أن دعم رسالة الوسطية والاعتدال عامل مهم لإنجاح هذه الجهود، فالمنظمة على قناعة تامة بأنه لا استقرار في السياسة والاقتصاد والاجتماع في أي دولة في ظل وجود فكر متشدد متطرف لا يؤمن بالدولة ولا يحترم الدساتير، ولا يعتبر بالقوانين ولا يراعي حرمة النفس وقداسة أمن المجتمعات لذا تعمل المنظمة وبحرص عبر أجهزتها المتخصصة والمتفرعة على ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال في ربوع العالم الإسلامي كافة خدمة منها للدين الإسلامي الحنيف وحرصاً منها على إنجاح برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وقد أسست المنظمة في هذا السياق العديد من الأجهزة التي تعمل على خدمة خطاب الاعتدال كمجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي يعمل على توحيد الفتوى في العالم الإسلامي ومحاربة التشدد في الفتوى ويعمل على المواءمة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر، ويعمل على نزع الشرعية عن الجهات المشبوهة التي تتلاعب بالفتاوى لتبرر العنف والتطرف.

كما أسست المنظمة في أكتوبر 2016 مركز صوت الحكمة للتصدي للخطاب المتشدد والعنيف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أطلق المركز عشرة حسابات على مختلف منصات التواصل تعمل باللغات الثلاثة العربية والفرنسية والإنجليزية، وهو ينخرط بشكل يومي ومباشر في التصدي للفتاوى المتشددة والمتطرفة، ويحاول إعادة تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تبثها الجماعات المتطرفة التي حادت عن سبيل الوسطية والاعتدال.

عقب ذلك ألقى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى كلمة قال فيها :” إن الأطروحات حول قيم الوسطية والاعتدال كثرت لكنها كانت ولا تزال بحاجة إلى إبرازها ببيان علمي, يستعرض النصوص ويوضح دلالاتها, ويكشف أوهام أو تعمُّدَ اجتزائها, و يُبيَّنُ الأخطاء والمزاعم والشبهاتِ في تأويلها أو التقولَّ عليها.

وأفاد أنه تم حصر أكثر من ثمانمائة مادة لجماعة إرهابية واحدة أرسلتها عبر مئات الآلاف من الرسائل تلقاها كل مستهدف بها عبر وسائل التواصل و الاتصال, وهي مع ضعفها كما هو حال بنيان التطرف والإرهاب إلا أنها ستكون خطرة عندما تصادف عقولاً غضة لا تملك سوى العاطفة الدينية المجردة عن الوعي في ظل فراغ ملموس في الاضطلاع بواجب التحصين المتكامل حول العالم في سنين مضت, وحاجة المجتمعات المسلمة في البلدان غير المسلمة لهذا أكثر من غيرها”، مشددا على أن الفكر الإرهابيً كما لم يقم على قوة عسكرية, بل على أيديلوجية متطرفة, استغلت المشاعرَ الدينيةَ غيرَ المحصنة فكان من أثر شرورها ومجازفاتها ما أصبح محل اهتمام العالم بأسره.

ولفت الانتباه إلى أن من مفاهيم التسامح ما تدعو إليه حكمة فقه الموازنات والأولويات مع حفظ ثابت الدين كما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية, ومن مفاهيم التسامح ما تدعو إليه قواعد سد الذرائع ولهذا نصوص وأمثلة عديدة لا تخفى, ومن مفاهيمه ما يتولد عن التفريق الصحيح بين ما كان متعلقاً بشأن الأفراد وما كان في الشأن العام, وقال :” الفتوى فيهما تختلف مع اتحاد واقعتهما في التوصيف, في الوجدان الإيماني يُصَدَّقُهُ العمل بلا إرجاء ولا تخاذل ولا انهزام, وأياً كان الاصطلاحُ في تسمية الحُكم الشرعي تجاه بعض الصور فإن النتيجة واحدة, مع استصحاب الوضع اللغوي لكلمة “سمح” والمعاني المركًبةِ منها, ومن قيم وأكد أنه من المهم أيضاً فك الارتباط بين الاحتياط والتشدد وبين ما يوصف بأنه تشدد محسوب بالاجتهاد الخاطئ على الفقه الإسلامي وبين التطرف الفكري.

ثم ألقى سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء الرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ كلمة أوضح فيها أن من خصائص هذا الدين الحق أن يكون ديناً وسطاً بين الغلو والجفاء، ديناً عدلاً لا ظلم فيه ولا إجحاف، تتصف جميع أحكامه وتشريعاته بالاعتدال والتيسير بعيداً عن الغلو والعنت والمشقة والحرج.

وأكد أن الأمة التي تدين بهذا الدين حقاً هي أمة وسط خيار ليس فيهم إفراط ولا تفريط . وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة على تقرير مبدأ الوسطية والاعتدال في هذا الدين الذي جاء لهداية البشرية جميعا، وأنه سيبقى ديناً صالحاً للتطبيق في حياة الناس إلى يوم القيامة ، وأن الأمة التي تؤمن بهذا الدين تتصف بوصف الوسطية والاعتدال من بين الأمم الأخرى فجاء في كتاب الله عز وجل أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة وسط خيار بين الأمم، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَةً وَسَطا لتكونوا شهداء عَلَى النَّاس وَيَكون الرسول عَلَيْكُمْ شهيدا ) ، وقال تعالى : ( كُنتُمْ خَيْرَ أمّة أخرجتْ لِلنَّاس تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وتؤمنون بالله).

وقال سماحته:” ومما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى في سورة الفاتحة التي يقرأها كل مسلم في صلاته كل يوم: (اهدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلا الضالين) فإذا كان الصراط المستقيم غير صراط اليهود والنصارى ، وكان صراطهم صراط غلو في الدين ، دل ذلك على أن الصراط المستقيم الذي شرعه الله عز وجل صراط لا غلو فيه، فهو بين طرفين إفراط وتفريط، وهذا هو معنى الوسطية التي هي منهاج الدين الإسلامي.

وأشار الشيخ عبدالعزيز ال الشيخ إلى أنه كان هناك من حاد عن هذا المنهج الوسط قديماً وحديثاً فإنما هم من المتنطعين الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم هم الهالكون والمنحرفون عن الجادة المستقيمة إما بغلوهم وإفراطهم أو بتفريطهم وتقصيرهم، وقد جاء هذا المؤتمر المبارك بعنوان (قيم الوسطية والاعتدال في الكتاب والسنة) لتجلية هذا الأمر المهم وبيانه وتسليط الضوء على خفاياه وتفاصيلها، سائلا الله تعالى أن يجزي خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين خير الجزاء على رعايتهما لهذا المؤتمر، وأن يجعلهما ذخراً للإسلام والمسلمين.

ثم ألقى فخامة رئيس جمهورية الشيشان الرئيس رمضان احمدوفيتش قديروف كلمة أجزل فيها شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العَهْدِ الأمين – حفظهما الله – على الرعاية الكريمة لهذا المؤتمر , وَعَلى جَهُودِهِمْا الكبيرة في خدمة الإسلام والمسلمين.

وقال إنَّ الْمُمْلَكَةً العربية السعوديّهُ تَحَت قيادة الملك سلمان بن عَبْدِ العزيز تعمل على توحيد المُسلمينَ وَلَمّ شملهم كما تُرُفع رايَهُ مُحارّبّة التّطرّف والإرهاب, وَتَعَمل جاهدة لنشر القيم الإسلاميّة الصحيحَة وقد كانت المملكة ومازالت وستبقى ـ إن شاء الله ـ حاضنَهُ للمُسلمين وقبلتهم.

ودعا المسلمين في العالم إلى الوقوف صفا واحدا مَعَ الْمُمْلَكَةِ العَرَبِيّة السعودية, وَإلى نبذ الخصومات والنّزاعات وأسباب التُفرّق والتّباغض, وأضاف بقوله إن الجميع اليوم بحاجةٍ لأن نتعاون معا يدًا بيد وبشكل لا مثيل له في التّاريخ، فالله تعالى يدعونا إلى الاتحاد في قرانه الكريم حيث يقول تبارك وتعالى: ” وَاعْتصموا بِحَبْلِ الله جميعا ولا تفرّقوا ” ومن ناحية أخرى يجب على كل من يُهاجم المملكة أن يُعرف بأنّها لن تكون وحيدة أبدا بل سيكون معها مليارات المُسلمين الصادقين ونحن أولهم”.

وأكد رئيس الشيشان أن الإرهاب لا دين له , وَإِن الجميع يَرَفَض بشدة كل الاتهامات المُوَجْهَةُ إلى الإسلام بالإرهاب , ويرَفَض كذلك الاتُهامات المُوَجْهَةُ إلى أتباع الأديان الأخرى بالإرهاب , داعيا إلى مكافحة ومحاربة الإرهاب هذا الداء الخطير بشتي الوسائل.