الذوق العام وشرطة المجتمع

0
شويش الفهد

لطالما تعددت المبادرات الرامية لنظافة البيئة وصون المجتمع من الظواهر السلبية، والتي لا يخرج معظمها عن جهود فردية من أشخاص متبرعين بجهدهم ووقتهم، أو مبادرات تتبناها جهات حكومية أو خاصة في فترات معينة، ثم ما يلبث أن ينتهي أثرها بمجرد انتهاء التاريخ المحدد لتلك المبادرات، ونحن اليوم نشهد بوادر جيدة لتطبيق ما يسمى بلائحة المحافظة على الذوق العام بمختلف أشكاله؛ وذلك بعد أن شرعت الدولة في وضع القوانين والتشريعات الخاصة بذلك النظام.

وهو هدف عظيم نود الوصول إليه كمواطنين غيورين على وطننا قبل أن تسن الأنظمة وتطبق القوانين الخاصة بذلك، وأنا هنا أتحدث عن نفسي فقد كنت من أشد المحاربين لتلك الظواهر السلبية، وأخذت على عاتقي مسؤولية الالتزام بالأنظمة ومحاولة زرع ذلك الخُلق في أطفالي وعائلتي وأقاربي، كما حاولت أيضاً نشر تلك الثقافة من خلال بعض المقالات والتغريدات التي كتبتها في فترات سابقة، إلا أنني توصلت لقناعة قوية بصعوبة تحقيق ذلك الهدف في المدى القريب (5-10سنوات)، فنحن نحتاج بالإضافة للأنظمة والقوانين الخاصة بحماية الذوق العام، نحتاج إلى أن نغير من سلوكياتنا مع أطفالنا كخطوة أولى لترسيخ مبادئ وقيم الاحترام للأماكن العامة والمرافق الحكومية، ونحتاج أيضاً إلى تضمين تلك المبادئ والقيم في مناهجنا وبرامجنا وتبيان خطورة التهاون في ذلك على مجتمعاتنا.

نحن نرتكب أخطاء فادحة عندما نتصرف وفق إرادتنا وبتغييب تام لرقيبنا الذاتي؛ ظناً منا أن الأمور في غاية البساطة والسهولة، متجاهلين أن التصرف البسيط الذي نظنه كذلك من الممكن أن يكون مؤثراً عندما يكون السلوك جمعياً وسلبياً في نفس الوقت، وحتى يكون الحديث واضحاً تأمل عندما يقوم أحدنا باستخدام كميات كبيرة من المياه في الاستحمام أو الغسيل أو التنظيف وكأنه أمر طبيعي ومعتاد، في الوقت الذي تكون فيه ضمائرنا في حالة إجازة من المسؤولية والشعور بخطورة ما نقوم به، بينما تحذر بعض الجهات المعنية من إمكانية حدوث ندرة في المياه الصالحة للشرب مستقبلاً، وتعاني فيه بعض الشعوب من عدم توفر المياه الصالحة للشرب.

وفي ظني أن بعد الإنسان عن أعين الجهات الرقابية وغياب الرقيب الذاتي له قد يكونان أحد أهم الدوافع المؤدية لارتكاب بعض التصرفات المخالفة للذوق العام، لكن ذلك إن حدث بعيداً عن إطار القوانين الخاصة بمكافحة تلك الحالات فعلينا أن نسعى جاهدين للقيام بدورنا من خلال التربية والتعليم والنقد الإعلامي والمطالبة بتأسيس جهة محددة لهذا الغرض تحت مسمى شرطة المجتمع مثلاً؛ وتكون لتلك الجهة صلاحيات محددة وفرق عمل منتشرة في كافة أنحاء المدن والقرى؛ بهدف التوعية والتثقيف والمعاقبة لمن تثبت مخالفته حتى تأخذ تلك الجهة مكانتها وينتشر نشاطها على أوسع نطاق؛ وبذلك تصبح البيئة أقل ضرراً والإنسان أقل خطراً حتى نصل إلى المستوى الذي نطمح إليه.

وأنا على ثقة كبيرة بتبنى المسؤولين في بلادي لهذا المقترح كما تبنوا مقترحات سابقة تصب في المصلحة العامة، وما اعتماد لائحة المحافظة على الذوق العام إلا نتيجة طبيعية لتظافر جهود الدولة مع المواطنين، من أجل الارتقاء بمستوى الخدمات والمناطق خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد فيها بلادنا نهضة شاملة ورؤية طموحةً عن ذي قبل.