العراق.. ثورة شعبية أم تناحر حزبي شيعي؟

0
بقلم: محمد العرب

في الغالب الشعب العربي لا يقرأ الأحداث جيدا وإذا فعلها فإن العاطفة تتولى زمام الفهم والتحليل حول الأحداث المفصلية، نحن أمة عاطفية بامتياز وهذا من أخطر نقاط ضعفنا، نحن نأكل ونشرب ونتزوج ونتاجر ونتناحر ونمارس السياسة والرياضة والاقتصاد بالعاطفة أما نصيب العقل من كل هذا كنصيب من يتاجر ببيع الثلج في “حارة السقائين”.

لا يمكن أن نقلل مما يحدث في العراق، فالعراق بعد المظاهرات لن يشبه العراق ما قبلها، هناك ثورة مطلبية مشروعة ومطالبها تشمل كل الشعب، لكن من يقوم بتحريكها والتحكم بمجرياتها شريحة واحدة في المجتمع، السواد الأعظم من المتظاهرين هم من الشيعة والحكام والمتحكم بالمشهد الحكومي العراقي أغلبهم وأقواهم من الطائفة الشيعية أيضا، سنة العراق شعبيا لن يغامروا مجددا بالتظاهر أو حتى المطالبة فهم لم يلملموا جراحهم بعد ومدنهم ما زالت خراب، الأكراد والتركمان المكون الثالث والرابع من حيث الحجم لديهم تحديات مختلفة وآفاق مغايرة للتعامل مع التطورات هم لديهم أجندة خاصة أكثر أهمية من الأجندة العراقية الجامعة ، أما باقي الأقليات الدينية أو بعبارة أصدق أما ما تبقى من الأقليات الدينية فهم بلا تأثير يذكر وأن مشاركتهم الرمزية مشارة عاطفية أيضا أمام هول مشاهد العنف التي ارتكبتها الأجهزة الحكومية والمليشيات المتحالفة معها ضد الشباب المنتفض من أجل وضع اقتصادي أفضل والقليل من الخدمات والحقوق المشروعة.

ببساطة دوامة التظاهرات المطلبية المشروعة المناهضة للسياسات الحكومية تثير الخوف من المجهول، الجنرال الإيراني قاسم سليماني سيء الصيت والسمعة هو المتحكم الفعلي بالمشهد وكل الشخوص السياسية الأخرى هي مجرد أرقام في معادلة المرحلة السياسية يمكن حذفها أو استبدالها بإشارة من سليماني، والحقيقة الغائبة عن أغلب العرب أن الأحزاب السياسية الشيعية لا يمكنها أبدا أن تغامر باستبدال الطرف الإيراني بأي طرف آخر حتى لو كان هذا الطرف أمريكا، خوفا من التصفية أو التهميش، لذا فإن كل الأحزاب متمسكة بالطرفين (الإيراني والأمريكي بدرجات متفاوتة حسب مصالحها).

لكن عاطفتها وبقائها يعتمد على علاقتها السياسية مع إيران لأسباب لا تحتاج للشرح، الأحزاب الشيعية اليوم تشعر بالخطر بعد أن اكتشفت أن جيل الثورة الشيعي يمتلك معدلات ولاء مذهبي منخفظه وأحيانا معدومة تم تمزيق علم إيران وضرب صور رموزها بالأحذية وأن هذا الجيل لا يقيم حسابا لرمزية (العمامة) ورجال الدين وهذا يشكل تهديدا انتخابيا مستقبليا فكل الأحزاب السياسية الشيعية في العراق لديها رموز دينية تستخدمها كورقة انتخابية ببساطة الشيعي السياسي دون ورقة مذهبية لا يمكنه أن ينافس انتخابيا، لذا لن تسمح تلك الأحزاب بانحسار النفوذ الديني الشيعي أبدا، بالمقابل لا توجد زعامات سنية دينية جامعة للشارع السني وهي بأضعف حالاتها ولم تحقق من مقاعد البرلمان ما يوازي حجم الشارع السني الذي أنهى سطوة الزعامات الدينية في شارعه مبكرا، ببساطة يعيش العراق اليوم وضعًا سياسيًا هشًا وموجة خلافات غير مسبوقة بين قادة قوات الحشد الشعبي الشيعي وخلافات أخرى بين سياسيين موالين إجمالا لإيران وآخرين أقل موالاة لإيران أيضا ما يهدد استقرار الحكم الشيعي في العراق.

ولنفهم المعادلة الشيعية بشكل واضح، لم ينقض سوى 11 شهرًا من عمر حكومة عادل عبدالمهدي التي تستمد نفوذها وقوتها حتى الآن من تعايش قائمتي «سائرون» التي يدعمها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وتحالف «الفتح»، الممثل السياسي لقوات الحشد الشعبي الشيعية، والقائمتان تمثلان أغرب تحالف سياسي في العالم، لم تتفقا على أي شيء سابقا إلا على شخصية عادل عبدالمهدي الذي لا يملك ثقلا شعبيا في الشارع الشيعي ويصنف من الشخصيات المرفوضة في الشارع السني، لذا تمارس القائمتان إعادة تموضع سياسي في وقت أصبح من الواضح أن التحالف التكتيكي بين مقتدى الصدر وهادي العامري على وشك الانهيار أمام هول الصدع الذي تسببت فيه المظاهرات، الصدر الذي كان يمثل الشارع الشيعي البعيد عن إيران ظاهريا أجبرته الأحداث الأخيرة للسفر إلى إيران بالسر والعلن ليشتكي من تنامي نفوذ الحشد الشعبي في العراق و للحصول على مزيد من الدعم.

أيها القارئ، شيعة العراق من السياسيين والأحزاب منقسمون منذ 2003 بين موالين مذهبيا وسياسيا لإيران والمرشد الأعلى علي خامنئي، والداعمين للمرجع الشيعي في العراق علي السيستاني إيراني الجذور ودعمهم له لتحقيق المصالح السياسية أكثر من كونه ولاء مذهبي، وبعد نهاية مرحلة داعش برزت إشكالية الحشد الشعبي الشيعي الذي لم تعد فصائله قادرة على تحقيق موارد تشغيلية كافية وأصبحت تتنافس الآن مع بعضها البعض من أجل المكاسب المالية والمناصب السياسية، وكشفت الضربات الجوية التي اتهمت بها إسرائيل خلال الصيف الماضي عن خلاف آخر بين القائد الرسمي للحشد فالح الفياض ونائبه أبو مهدي المهندس المقرب بشكل كبير من إيران ويعتقد أنه صاحب السلطة الحقيقية على الحشد، حيث اتهم المهندس بسرعة واشنطن وإسرائيل بالوقوف وراء تلك الضربات، لكن الفياض اعتبر أن الاتهام لا يعكس الموقف الرسمي للحشد الشعبي.

ما تقدم هو شرح مبسط لخارطة الصراع الشيعي الشيعي الأبرز والدور السني الهامشي والذي سيبقى هامشيا طوال السنوات العشر القادمة مالم تحدث مراجعة حقيقية ودور الكرد ثم التركمان المراقب والمتحفز لمزيد من المكاسب الفئوية، لذا نحن أمام ثلاث سيناريوهات لا رابع لها.

أولا: إعادة تشكيل الحكومة لتكون شيعية أيضا ولكن من الصف الثاني لامتصاص غضب الشباب الشيعي الذين تنتظرهم حملات اعتقال وتصفية، أي استراتيجية تغير الوجوه.

ثانيا: قمع التظاهرات وإخمادها بالقوة وهذا ما انطلق فعليا ولكن بشكل تدريجي وأتمنى أن لا يكون الخيار الأقرب إلى الواقع.

ثالثا: أن تنفذ أمريكا عملية إعادة توزيع مراكز القوة العراقية بالدفع بحلفائها العلمانيين والليبرالين القدامى والزعامات العشائرية وبعض شباب الثورة إلى الواجهة لتشكيل واقع سياسي جديد مستغلة حالة النفور الديني لدى شباب العراق الشيعة والسنة.