ذكرى تؤلمني!!

0
عبدالله الشريف

4/8/1440، لحظات عصيبة أوجعت قلبي المثقل بهموم. كانت أمي تتوجع في دواخلها وتنظر إليّ بعيون مليئة بالكلمات التي عجزت أن تبوح بها.

لم يكن لدي ما أقوله لها سوى أن أقبل قدميها وأضم يديها إلى قفصي الصدري المحترق بنار الولع. كنت أبكي بعيدا عن مسمعيها وكانت تومئ إلي بأصبعها أن اقترب. جزعت ونهضت مقبلا رأسها، أعلنت أمي وفاتها منذ أن دخلت المستشفى ومكثت فيه مايقارب الشهر.

كانت هي توأم روحي في كل شيء. عشت معها رحلة الشقاء والفقر ورغيف “الخمير” الناشف. وتكبدت هي كل لوعة الفراق عن أهلها في شمال المملكة إلى جنوبها من أجلنا بحثا عن حياة كريمة. كانت سندا لأبي الذي عاش اليتم في طفولته والفقر في صباه. ذاك الرجل الرائع في كل صفاته ونبله وسخاؤه علينا رغم أنه لا يملك من الدنيا سوى بضعة ريالات هي راتبه الشهري الذي سرعان ماينقضي.

أبي الذي عاش كل البؤس والظلم من أقرباؤه الذين استعبدوه حتى أنه كان يرعى الإبل وهو في التاسعة من عمره، ويعيش يوميا على كسرة خبز ناشفة، وينحني تحت ضرع ناقته ليشرب مع وليدها مايتسنى له ليشبع. هرب من الظلم والاستعباد إلى الجيش الذي عاش فيه بصرامة الرجال وقسوة العمل.

اقترن “أبي” بتلك الرائعة “أمي” من شمال المملكة وطاف بها الأرض. كنت أراه للحظات يتهامس فيها مع أمي عن الطعام المفقود أو اللباس الممزق على أكتافنا التي تشققت من لهيب الشمس. اذكر فرحته عندما أهديت له ساعة بسيطة جدا كان يوقضني ليريني أنها تشع ضوءًا في العتمه، وكان يستغرب من ذلك ولا يعرف أن الأمر ببساطة أرقام فسفورية تتوهج في الظلام.

بين لحظات فرحتنا وبؤسنا ونحن جياع؛ كانت أمي البسيطة تطبخ لنا قديدا لقطعة لحم أهدي لنا منذ عام، ناشف المضغ سيئ الرائحة. تعطرها بالابتسامة الجميلة على محياها ونأكلها بصمت. عشنا مع الجيش في كل تنقلاته واستلهمنا من رحلاته الثقافة والعلم مع الصبر والإيمان. عشنا في الأردن في حرب الكرامة ثم انتقلنا إلى جازان ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب أصابتنا الصدمة بين “شو مالك يازلمة” و”مالك سيد بويا”، مرورا بـ”ماعلاهو وربي قسم” في تهامه. إلى “وش حقه ياخوي” شرق المملكة. مع كثير من لهجة الشمال “أرعه قوطر.. أنت علامك”.

اعتبر نفسي سعوديا صافيا في النكهة والمذاق، اختلطت عبارات لهجتنا وثقافتنا بين عادات مدن المملكة المترامية الأطراف، وكنت بين الفينة والأخرى أجالس الغالية نستذكر تلك الأيام ونستعيد معها جلسة العصاري مع جاراتها ونحن صغار.

خلدت أمي في دواخلي صورة المرأة العربية بطيبها وفزعتها وتركت لي إرثا عظيما من المعاني الجميلة في الحب والتسامح والصبر، قلبي الموجوع يحاكي نفسي المفجوعة على رحيلها. رحلت أمي وفي أواخر أيامها شعرت أنني عاصي لها وهي تطلب أن تعود لسريرها وأنا أطلب منها أن تتشمس قليلا في حديقة المنزل. كنت أخاف عليها من التقرحات ولكنها أصيبت بها فلم يستسغ قلبي أن يرد لها طلبا رغم نصائح الأطباء.

رحلت الحبيبة وبرحيلها فقدت كل شيء، والأهم أنني لم أعد أسمع دعاؤها لي إلا في تسجيل صوتي نسخته مائة مرة، أتلذذ في سماعه كلما أصابني الوهن، لا تتركوا أمهاتكم فعشب أرضهن يسوى الدنيا وما عليها.