كورونا والوباء الفكري

0
أشواق السعيد

كيف لزائرٍ غير مرحب به أن يُعيد تشكل حياتنا دون أن يتفوه بكلمه , و حينما قال كلمته فرضها على نطاقٍ واسع.

لا مرئي , ولكنه يُرى حينما يسرق عافية الآخرين .

كورونا أو ما يُعرف بـ” كوفيد 19 ” الزائر الغامض والمبهم لم يكن هو الوباء الوحيد في العالم فقد ذاقت الأمم السابقة العديد من الأوبئة , أقساها الطاعون الأسود والكوليرا والأنفلونزا الإسبانية  لكنها رغم نقص الإمكانات والخسائر الفادحة آنذاك على المستوى الاقتصادي والصحي والبشري استطاعت أن تتجاوز تلك المراحل.

بالرغم من بشاعة هذا الوباء المجنون الذي قد ينقله اقرب الناس إلينا , بسلامٍ وديّ أو بحديثٍ عابر , إلا أنه استطاع بكل جداره أن يُعيد مفاهيماً كثيرة غابت عن أذهاننا أو بمعنى أصح بعضُ النعم التي اعتدنا على وجودها لثقتنا أنها لن تتغير ومنها “حرية القرار”.

جردنا من بعض قراراتنا وحرياتنا واختار لنا هذهِ العزلة , لنعود لذواتنا , فرض علينا التَباعُد الاجتماعي وسمح لنا بالعودة لمحيطنا الأُسري , فكيفَ لفيروس أن يُرهب الجميع ويعلمنا من جديد كيف نهتم ونحذر وان هناكَ الكثير من المفاهيم والقيم التي تحتاج منا الانتباه.

هوَ لا يعرف من تكون وماهيَّ صلاحياتك ومكانتك ولا يكترث لتفاوت العمر لا يهتم بديانتك ولا بالحدود الجغرافية يأتيك بلغته فقط  ولن تستطع أقوى الجيوش العسكرية وأن حُشدتْ أن توقف انتشاره لا يوقفه سوى “الوعي والوقاية”.

فَحينما يكون الفرد ع وعي وإدراك بماهية مثل هذهِ الأوبئة وكيفية التصدي لها ,سيُجنب نفسه ومجتمعه من أن يُصبح طرداً يُنقلُ عن طريقه هذا الوباء , سيُصبحَ انسانيّ لا أنانيّ.

يصل الأمر إلى أن يعم الصمت المقاعد الدراسية قبل انتهاء العام الدراسي, وتوقف الشركات والوزارات عن العمل , وتُغلق صالات المطارات, وحتى اطهر المساجد ودور العبادات في العالم بمختلف الديانات وتُصدر القرارات الدولية والعالمية بمنع الخروج من المنازل وإعلان حالات الطوارئ ونشر آلاف التقارير اليومية والإحصائيات فذلكَ لا يعني أنّا نمارس الحياة بشكلها الطبيعي , ونهون من كل تلكَ القرارات الاحترازية الصارمة ,بل نحنُّ نتصدى لعدوٍ خفي يتربص بنا وبذوينا كلّ دقيقه , وتصرفٌ فرديٌ ارعن قد يساهم في بقاءه وتفاقمه .

أن هذا الوباء كشف لنا عن نماذج لا إنسانيه – وعدوانيه – تتعمد بشتى الطرق أن تخالف ما يُصدر من قرارات , وأعجب جداً لتصرفاتهم والتجاوزات التي نراها هذه الأيام من نماذج فعلاً غير مدركه لحقيقة ما نمر به , ولا اعلم هل المكوث بالمنزل والحفاظ على صحتهم وهذه الرفاهية المفتوحة التي تعزلهم عن العدوى مزعجةٌ لهذا الحد , أم أن ما نراه من تجاوزات كان استخفافاً ونقص عقلٍ ليُخلدَ بطلاً في تاريخ هذا الوباء.!

الأمر لا يحتمل السخرية , هناكَ جهود تُبذل , هناكَ قطاعات تعمل دون توقف لم تخرج عبثاً وتترك نعمة البقاء في المنزل الذي ضاق بالبعض لتتباهى بالتجول , هناكَ أطباء على مدار الساعة ورجالُ أمنٍ ومتطوعين قدموا أنفسهم وسخروا طاقتهم في سبيل أن تمر هذهِ الفترة بسلام.

لذلك كُلنا مسؤول , أيّ كلنا نحمل الأمانة تجاه بعضنا البعض, علينا أن نثبت هذا الولاء في هذه الأزمة بأننا قادرون على التصدي له , وان نلتزم بإجراءات وقرارات وزارة الصحة وكل أنظمة الدولة أثناء فترة الحظر, وذلكَ بالوقاية وعدم الخروج إلا للضرورة , لأنه من المؤسف إتباع التعاليم في المساء وفي الصباح نشاهد المئات يصطفون أمام المتاجر وغيرها فيمحو الصباح محاذير المساء.

وعلينا أن لا ننجرف لكل ما يُتداول عبر المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي , وأن نأخذ الخبر من مصادره الرسمية وان نتجاهل غوغاء التحليلات وتصديق الإشاعات فهذا الكيان العظيم بكل روحٍ تنتمي إليه سَيجتازُ هذه الفترة بإذن الله.

“في المُلمات تظهر معادن البشر, فَـلا تكُن عِبْئاً على غيرك ومجتمعك , فلقد سئمنا الوباء الفكري.