في ذكرى بيعة ولي العهد.. السعودية تقدم تجربة ملهِمة في ترويض المستقبل

0
الرياض - الوئام:

في عام 2017، اختير شاب سعودي متميز ليكون “شخصية العام” حول العالم، في استطلاع طرحته مجلة “تايم” الأمريكية، الأكثر شيوعا وانتشارا. نفس الشاب اختارته مجلتا “فورين بوليسي” و”فوربس” خلال عامي 2015 و2018، ضمن القادة الأكثر تأثيرا في العالم.. هذا الشاب يحمل اسم محمد، وكان لا يزال في أوائل الثلاثينات من العمر حينها، هذا الشاب هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان.

بزوغ النجم

كانت بداية محمد بن سلمان في النشاط السياسي حين عُيّن مستشارًا متفرغًا في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء السعودي في 10 أبريل 2007، ثم مستشارًا لوالده أمير الرياض في ذلك الوقت، ديسمبر 2009. حين وُلِّيَ والده سلمان بن عبد العزيز ولاية العهد في المملكة العربية السعودية في 2012، أصبح مستشارًا خاصًا ومشرفًا على المكتب والشؤون الخاصة لولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع.

في 2 مارس 2013 صدر أمرٌ ملكي بتعيين الأمير محمد، رئيسًا لديوان سمو ولي العهد ومستشارًا خاصًا له بمرتبة وزير. وبعدها بأربعة أشهر، أضيف منصب المشرف العام على مكتب وزير الدفاع إلى مهام عمله السابقة. وكانت آخر ترقياته قبل تولي والده الحكم في 25 أبريل 2014 عند صدور الأمر الملكي بتعيينه وزيرًا للدولة بمجلس الوزراء السعودي بالإضافة إلى عمله.

حين تولّى الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في المملكة العربية السعودية في 23 يناير 2015، أصدر أمرًا ملكيًا يقضي بتولّي محمد بن سلمان وزارة الدفاع بالإضافة إلى تعيينه رئيسًا للديوان الملكي ومستشارًا خاصًا للملك. ثم أتبعه بأمر ملكي آخر بإنشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة محمد بن سلمان.

النسر يعلن عن نفسه

بمجرد أن تولى الأمير محمد وزارة الدفاع، أعلن عن مشروع لتوطين 50% من الإنفاق العسكري السعودي، إذ أعلن عن تأسيس الشركة السعودية للصناعات العسكرية في 17 مايو 2017. وكشف عن أن الإنفاق العسكري الداخلي السعودي لا يتجاوز 2%، من مجموع الإنفاق الحكومي، مع أن السعودية من أكبر خمس دول إنفاقا على الأمن والدفاع على مستوى العالم. معتبرا أن هذه المؤشرات دليل على “الفساد”، بحسب تعبيره.

في 2016 و2017، تم الإعلان عن لقاءاتٍ جرت بين الأمير محمد بن سلمان ورؤساء شركات ريثيون لوكهيد مارتن الأميركيتين، وداسو وتاليس الفرنسيتين. وفي 2018، وقّعت “الشركة السعودية للصناعات العسكرية” اتفاقًا مع شركة بوينغ، لتوطين 55% من عمليات الصيانة والإصلاح وعمرة الطائرات الحربية ذات الأجنحة الثابتة والطائرات العمودية في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى “نقل تقنية دمج الأسلحة على تلك الطائرات وتوطين سلسلة الإمداد لقطع الغيار”.

ونشرت تقارير عن توقيع الشركة السعودية للصناعات العسكرية أربع مذكرات تفاهم أخرى مع كل من شركة تقنية للطيران باستثمار تجاوز ستة مليارات دولار، إلى جانب الشركات الأمريكية رايثيون، لوكهيد مارتن وجنرال ديناميكس باستثمارات بنحو 12.494 مليار دولار، ليبلغ إجمالي العقود المبرمة 18.5 مليار دولار، تحقيقًا لرؤية السعودية 2030، التي تستهدف توطين نصف الإنفاق العسكري السعودي في حلول العام 2030.

في سياق رحلته الوطنية، وعد الأمير محمد بن سلمان بإنهاء علاقة ارتهان الدولة السعودية بالنفط، والتي وصفها بالإدمان، مشيرًا إلى أن السعودية لم تستغل إلا عشرة في المائة من قدراتها وإمكاناتها الطبيعية والاقتصادية. وقال: “إننا نرسم خطتنا بناءً على مكامن القوة لدينا. فلا نريد أن نقلد غيرنا، ولا نريد أن نبني وادي السيلكون”.

تمكين المرأة السعودية

يسود رأي عام في السعودية أن الأمير الصاعد هو من وقف وراء قرار رفع الحظر على قيادة المرأة للسيارة في السعودية، وقرار السماح للنساء بدخول ملاعب كرة القدم. اعتبرت صحيفة ذي إيكونوميست البريطانية أن هذه القرارات، تكشف عن رغبة صريحة في تخفيف قيود نظام الولاية على المرأة وربّما إنهائه بشكل كامل في السعودية.

وتضمّنت خُطط سمو ولي العهد في الإصلاحات، خطةً لتحسين أوضاع المرأة في السعودية، والاهتمام بها من خلال إدخالها في مجالات العمل، وجعلها تتولّى العديد من الأدوار والمناصب الفعّالة، مما يحقق التقدّم والإصلاح في اقتصاد المملكة بحسب رؤية السعودية 2030.

الانفتاح على العالم

جاء قرار منح التراخيص لفتح دور للسينما في السعودية بعد أربعين سنة من المنع، إضافة إلى قرار إنشاء الهيئة العامة للترفيه في السعودية، في إطار حملة الانفتاح المجتمعي التي يقودها الأمير محمد. وقد بدأت الهيئة – منذ تأسيسها – بإقامة حفلات غنائية وترفيهية في السعودية بشكل متواصل.

محاربة التشدّد

اتخذ الأمير محمد بن سلمان خطوات عديدة لمحاربة التطرّف الديني في المملكة العربية السعودية، واستهدفت تلك الخطوات إنهاء ما يُسمّى مشروع الصحوة الإسلامية في السعودية. ويسجّل المتابعون أن ثقافة التشدّد في المملكة العربية السعودية أصبحت في انحسار بسبب سياسات محمد بن سلمان، لصالح تعاليم الإسلام الحقيقية، الضامنة لثقافة التعدّدية الفكرية، “المنفتحة على العالم وعلى جميع الأديان وعلى جميع التقاليد والشعوب”.

الهيئة العليا لمكافحة الفساد

في 4 نوفمبر 2017، أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمرًا ملكيا بتشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد في السعودية برئاسة سمو الأمير محمد بن سلمان. إثر ذلك بدأت اللجنة بحملة ملاحقات قانونية لعدد من مسؤولي الدولة، كان على رأس هؤلاء شخصيات من العائلة الحاكمة وأخرى اقتصادية شهيرة، حيث وجهت لهم تهمًا بالفساد. نتج عن حملة الاعتقالات، إجراءات قانونية تمثلت بتحفظ الحكومة السعودية على أموال المتهمين، الذين وضعت طائراتهم الخاصة تحت الحراسة، لمنع هروبهم إلى خارج السعودية، كما شُدِّدت المراقبة على المطارات السعودية لمنع هروب أي متهم ما يزال تحت التحقيق.

في أعقاب الحملة، قال سمو الأمير في وصفه لحملة مكافحة الفساد التي يقودها في السعودية: “إن جميع حروب الحكومة السعودية في القضاء على الفساد فشلت، ذلك لأن تلك الحملات بدأت عند الطبقة الكادحة صعودًا إلى غيرها من الطبقات المرموقة”، مُستطردًا: “أمّا اليوم فالأمر مختلف، ذلك أن الملك سلمان بن عبد العزيز قطع عهدًا على نفسه بوضع حدٍ لـ(عمليات الفساد التي كانت مستشرية في هيكل الدولة)”. كاشفًا عن أن الملك سلمان فور توليه مقاليد الحكم أمر بجمع كل البيانات المُتعلقة بالفساد، عند الطبقة العُليا في السعودية. وهو ما استغرق عامين كاملين.

وفي 30 يناير 2018، أُعْلِنَ في السعودية عن أن “الحكومة السعودية نجحت في جمع أكثر من مائة وسبعة مليارات دولار أمريكي، من خلال تسويات مالية مع رجال الأعمال والمسؤولين الذين جرى استدعاؤهم في إطار التحقيقات في حملة مكافحة الفساد”. مثَّل الإعلان نصرًا سياسيًا لولي العهد محمد بن سلمان، الذي توقّع عند تدشين حملة التطهير بأن يصل صافي التسويّات إلى نحو مائة مليار دولار أمريكي.

رؤية 2030

في 25 أبريل 2016 أطلق سمو ولي العهد رؤية المملكة 2030، وهي خطة اقتصادية اجتماعية ثقافية سياسية شاملة للسعودية تؤسس لدخول المملكة إلى عصر ما بعد النفط. تتزامن الرؤية مع التاريخ المحدّد لإعلان الانتهاء من تسليم ثمانين مشروعًا حكوميًا عملاقًا، يكلّف أقل واحد بينهما ما يعادل أربعة مليارات ريال، بينما بعض المشاريع تفوق كلفتها المائة مليار ريال سعودي، كما في مشروع مترو الرياض.

تهدف الخطة إلى زيادة الإيرادات غير النفطية السعودية من 43.5 مليار دولار سنويًا إلى 267 مليار دولار سنويًا، إضافة إلى زيادة حصة الصادرات غير النفطية السعودية من 16% من الناتج المحلي السعودي (في 2016) إلى 50% من الناتج المحلي السعودي (في 2030). كما أنّه يريد بهذه الرؤية أن يجعل الاستثمار في الداخل السعودي منطقة لإيجاد المزيد من الفرص الوظيفية والاقتصادية في السعودية.

نيوم

نيوم أو “المدينة الحلم” أو “أرض الفرص والأحلام” كما وُصِفَت، مشروع مدينة ذكية أطلقه سمو الأمير محمد بن سلمان في مؤتمر دولي للاستثمار في مدينة الرياض في 24 أكتوبر 2017، لتكون بمثابة عاصمة تجارية واقتصادية عالمية تمثل روح العصر المرتبط بالذكاء الاصطناعي. يقع مشروع “نيوم” شمال غرب السعودية على مساحة 26 ألف كيلومتر مربع بالاشتراك مع كلٍّ من مصر والأردن، وسيكون المشروع “منطقة خاصة” تشمل أراضٍ سعودية وأخرى مجاورة لها داخل الحدود المصرية والأردنية، وسيحكم بقوانين تجارية خاصة به.

وقد جاء اختيار محمد بن سلمان لهذه المنطقة لتكون أرض المشروع، ذلك بأن قرابة عشرة بالمائة من حركة التجارة العالمية تمّر عبر ساحلها، إضافة إلى أن الموقع يعد محورًا يربط القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا، إذ يمكن لسبعين بالمائة من سكان العالم الوصول إلى “نيوم” خلال ثماني ساعات كأقصى حد. قدّر قيمة المشروع بخمسمائة مليار دولار أمريكي، قائلا أن تمويله سيكون من قبل صندوق الاستثمارات العامة ومستثمرين سعوديين ودوليين. وهو يطل من الشمال والغرب السعوديين على البحر الأحمر وخليج العقبة بطول 468 كيلومتر وتحيط به من الشرق سلسلة جبال بارتفاع 2500 متر.

مشروع القِدِّية

في 8 أبريل 2017، أطلق محمد بن سلمان مشروع منتجع القِدِّية الترفيهي الذي يستهدف تأسيس أكبر مدينة ترفيهية ثقافية رياضية على مستوى العالم بمساحة 334 كيلومتر مربع، أي يزيد حجمه عن ديزني وورلد بثلاث مرات تقريبًا. “عاصمة المغامرات المستقبلية” على حد وصف محمد بن سلمان للمشروع، يستهدف منه – إضافة إلى تنويع إيرادات صندوق الاستثمارات العامة – أن يحافظ على حصة من إنفاق السعوديين على الترفيه.

مشروع البحر الأحمر

في 31 يوليو 2017، أطلق سمو الأمير محمد بن سلمان من خلال صندوق الاستثمارات العامة مشروع البحر الأحمر وهو مشروع سياحي عالمي، يستهدف خلق منتجعات سياحية على أكثر من خمسين جزيرة سعودية بين مدينتي أُمْلُج الحوراء والوجه، ويجاور المحميات الطبيعية بالمنطقة والبراكين الخاملة، ومواقع آثار أبرزها مدائن صالح، وسيقام على مساحة تقدّر بأربع وثلاثين ألف كيلومتر مربع. يرغب سمو الأمير أن يصبح هذا المشروع بوابة لاستكشاف منطقة البحر الأحمر أمام العالم لينافس كلا من جزر السيشل وجزر المالديف التي يمكن لجميع سكان الأرض زيارتهما، إذ سيُتاح لغالبية السيّاح في العالم إمكانية زيارة منطقة مشروع البحر الأحمر والدخول إليها من دون الحاجة إلى حصولهم على تأشيرة دخول سعودية، ويستهدف من هذه الخطوة، من جهة كسر حواجز التطرّف الذي منع تطوير السياحة – خاصة البحرية منها – في السعودية، ومن جهة أخرى أن يكون للمملكة حضور على خريطة السياحة العالمية وفقًا لرؤية السعودية 2030.

طرح أرامكو للاكتتاب العام

في 4 يناير 2016، كشف سمو الأمير لمجلة ذي إيكونوميست البريطانية، عن مقترح طرح نسبة من أسهم شركة أرامكو، كجزء من خطة الإصلاح الاقتصادي لرؤية السعودية 2030، بهدف استحداث أسلوب الإدارة ونظام التدقيق الغربي في عملاقة النفط العالمية، إضافة إلى توفير سيولة مالية تساهم في الحد من العجز في ميزانية السعودية.

وحُدِّدت النسبة المتوقع طرحها للاكتتاب بسقف لا يتجاوز خمسة في المائة من أسهم شركة أرامكو. وقال خبراء أن قيمة الشركة ستصل إلى تريليوني دولار أمريكي، عند الطرح الأوّلي الذي وُصِفَ – فيما لو تم – بالأعظم في التاريخ، نظرًا إلى حجم الشركة.

وكشف محمد بن سلمان أن صندوق الاستثمارات العامة هو من سيدير عملية الاكتتاب، التي من المرجّح أن تكون في سوق الأوراق المالية السعودي في الرياض، أو أحد المراكز المالية الدولية الرائدة في العالم. وكان الرئيس الأمريكي ترمب حثّ ولي العهد السعودي على أن يختار بورصة نيويورك منصة للاكتتاب والتداول، فيما تشير تصريحات المسؤولين السعوديين أن بورصة لندن هي الأقرب.

الطاقة النووية

في مقابلة له مع صحيفة واشنطن بوست، قال سمو الأمير أن لدى السعودية أكثر من خمسة بالمائة من احتياطيات مادة اليورانيوم في العالم، واصفًا عدم استخدامها بأنه يشابه الاستغناء عن النفط. وكانت الحكومة السعودية قد وقعت مع روسيا الاتحادية عددًا من الاتفاقيات في المجال النووي، على رأسها إنشاء 16 مفاعلًا نوويًا، بعد زيارة قام بها الأمير إلى روسيا في 18 يونيو 2015، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سان بطرسبرغ. وتؤسس الاتفاقية الموقعة للتعاون بين البلدين في المجال النووي، بما في ذلك، “إنشاء واستخدام وتفكيك المفاعلات النووية المخصصة لإنتاج الطاقة، وتقديم الخدمات المتعلقة بمعالجة الوقود النووي المستنفد، وإنتاج النظائر المشعة واستخدامها في الصناعة والطب والزراعة، وتأهيل الكوادر في مجال الطاقة النووية”.

وبعيد تلك الزيارة، وقع سمو الأمير مذكرتي تفاهم مع الحكومة الفرنسية – بعد لقاءه الرئيس الفرنسي فرونسوا أولاند – للتعاون في “مجالات إدارة النفايات المشعة بين مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة والمعهد الفرنسي للوقاية من الإشعاعات والسلامة النووية، والتعاون بين مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة والوكالة الفرنسية لإدارة النفايات النووية في مجال تطوير تنظيم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مجال النفايات النووية”.

السياسة الخارجية

يشير مراقبون أن السياسة السعودية تعد اليوم “سياسة أكثر جرأة واستقلالية” وواقعية بالنسبة لقضايا المنطقة. فالرياض حسبما يقول المتابعون، “كثّفت كل جهودها من أجل وقف التغلغل الإيراني في المنطقة”، و”لم تتأخّر عن التدخّل العسكري المباشر في اليمن لوقف الحوثيين عن السيطرة على البلد”، إضافة إلى أنّها أصبحت أقرب إلى المقاربة الروسية بالنسبة لملف الأزمة السورية بعدما كانت تطالب الرئيس السوري بشار الأسد بالرحيل من الحكم. من جهة أخرى أصبحت الدبلوماسية السعودية أكثر نشاطا دوليًا.