ويحكم.. أعجزتم أن تواروا سوأته!

0
عبدالله الشريف

تموت القيم وتنتهي الشيم وتبرز أقذع الأخلاق حين تنتكس شيبة رجل وقد كُسر ظهره، والتوى عوده، وبالكاد يسحب قدميه نحو أبواب موصدة لا يعرف من هم خلفها الإنسانية ولا يحترمون مبادئ زمالة وعشرة عمل، هكذا أصبحت حياتنا أرقام تُحكى وتُكتب وتنكل بكل ما هو ضعيف.

طافت بي الذكرى الأليمة وصككت وجهي أتوارى خجلا لفقدان عزيز نفس لم تسعفني الظروف لنصرته مات أحد أبرع زملاء المهنة منكبا على منضدته ويداه تحاولان ان تفند خبرا سياسيا دفاعا عن المملكة ونصرة لقيادتها في محفل سياسي مهم.

مات عثمان عابدين العربي الأصيل ابن السودان الأبية، وفي قلبه غصة على أناس اضطهدوه وراوغوا كثيرا معه وهو السوداني صاحب المبادئ الصادقة، والإنسان البسيط الذي لا يعرف المراوغة والتسويف.

فقدنا عمودا من أعمدة الصحافة العربية التي عاشت بين ظهرانينا ما يقرب الثلاثة عقود، كان يكتب مناكفا ومنافحا عن السعودية وبعد نظرها. مات الإنسان البسيط وهو مثقل بهموم الدنيا التي فارقها بدمعة ندم وهو في السبعين من عمره.

عاش عثمان عابدين حياة مليئة بالمآسي حين فجع بابنه الأكبر الذي ابتعثه على حسابه ليدرس الهندسة في بلغاريا ليتفاجأ بإصابته بطلقة نارية افقدته الكثير من توازنه حتى أصبح عاجزا عن الحركة ثم مرض ابنه الثاني واصبح شبه معاق وما لبث أن جرفت السيول منزله الذي تعب لسنوات عجاف في بنائه.. وجاءت الطامة أن تم طي قيده من عمله . ليبقى بلا ولا شيء!. لكن عثمان بقي شامخا لم يمد يده لأحد ولم يشكوا او يتسول.

مكث يبحث عن مخرج لأزمته المالية والاجتماعية وفي قلبه المنهك وجع سنين الغربة والأمل بأن يعود لوطنه، لكنه صدم في حقوقه التي ماطلوه فيها بحجج واهية، بينما من كان قويا انتزعها من افواههم وهي حقوق لسنوات خلت ضحى بصحته، وسهر ليال.

عاش الضعف والانكسار من أجل لقمة عيش كريمة لفلذة كبده، هاتف ذات ظهيرة “إقطاعي متعال” من أجل حقوقه البسيطة ليعود على الأقل ويموت بين أهله، ووقف أمام مكاتب إدارات بيدها أن تعطيه حقوقه، لكنه الإنسان البسيط والرجل الصامت عاملوه “كرجل عجوز”، يثرثر عليهم ويؤذي مسامعهم بحقوقه.

ولأنه لا يملك نفوذ داخل الإدارات ودهاليزها؛ أقنعوه ببضعة دريهمات على أن يصمت عن بقية حقوقه. ومات عابدين وقد انكشف ظهره وسقطت عمامته ولم يحركوا ساكنا ليوارو جسده.

مات “شهيد بلاط صاحبة الجلالة” على مكتبه وليس في جيبه قيمة عشاء لأولاده، ولم يقبض راتبه منذ نحو عامين كان يستدين من أجل إرسال المال لعلاج ابنه المقعد في إحدى مستشفيات الأردن مع والدته.

زاد البلاء عليه حين اشتكاه صاحب البيت قبيل بضعة أشهر واوقف خدماته لإنه عجز عن سداد الإيجار نظرا لتوقف الراتب وعجز عمله عن استيفائه لحقوقه، ليقول للبعض ممن أوجع قلبه قبل أن يتوقف، ويحكم في أعناقكم حقوق ابنائي.

“إن لم تكن عدالة الأرض أنصفتني.. فستقتص لي عدالة السماء! وكفى”.