الملك عبد العزيز: زعيم أدرك القيادة المصيرية والتاريخية بـ “عبقرية”

0
كُتب بواسطة: محمد سمان

“الدولة” و “الحكومة”، كانتا ولا زالتا المحور الرئيس لدراسات ومناقشات حقول علمي السياسة والإدارة العامة، على خلفية أنهما التطور النهائي للبشرية بدءاً من تحول الأفراد إلى منظومة مجتمعات، ثم إلى دولة تضع نظاماً فحكومة، ليمارس الجميع كل الأنشطة الإنسانية.

ومن المنطقي الإشارة هنا إلى الدور الذي أداه علم الاجتماع في تأسيس النظريات الأساسية منذ القدم، أسهم في نشوء علمي “السياسة” و “الإدارة العامة” لينطلقا في آفاق أوسع تجاه دراسات الدولة والحكومة، ركز الأول فيها على تحليل الإطار الثقافي والمعرفي والعوامل الاجتماعية والبيئية.

فيما اهتم الثاني ببناء النظم وأساليب ممارستها وتطبيقها. في المقابل أيضا، أثمر جدل ونقاش طويل استمر قروناً عديدة في درس عناصر تكوين نشوء الدولة والحكومة وفي مقدمها “السلطة” و “القوة” ومصادرهما، عن تأسيس نظريتي “الزعامة” Leadership و”العبقرية” Charisma واستخدامهما في دراسات المقارنة.

ومع مرور الوقت، ارتبطت تلك النظريتين ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً، حتى تبنى ديفيد أبتر في كتابه “غانا في مرحلة الانتقال” (نيويورك ـ جامعة أوكسفورد 1968م)، فكرة “الزعامة العبقرية” للتمييز في طرق تأثيرها الفعال على مسار التاريخ بأكمله.

كما حدد دانكورت روستو (نيويورك 1970م) في كتابه “فلاسفة وملوك.. دراسات في القيادة” وسائل أربعة تساعد الزعيم والقائد في تحقيق أهدافه، وهي: البعد، والمشاركة، والاتصال، والاختراع والابتكار، وتصوير التعبير المستمر.

وفي شكل عام، وجد جين لوكاتور (نيويورك 1970م)، أنه بحسب نظرية “الزعامة” يمكن تقسيم القيادات إلى خمسة أنواع، هي: المصيري، والتاريخي، والوقتي، والغير موجود، والرافض للمسؤولية الكاملة. وهو يرى أن القائد التاريخي هو الذي عاش شعور وأحاسيس تجربة البناء القومي مع أفراد شعبه، فيما يعكس القائد المصيري آلام أمته في تجربة البناء.

وبعد تلك النظرية دار بحث طويل بين علماء التاريخ والإدارة العامة وأساتذة المدارس السياسية في تعريف القائد المصيري والتاريخي، لكن تم الاتفاق أخيراً على تعريف الأول بأنه “القائد الذي يؤمن بأن التاريخ أعطاه مهمة إنسانية، ولا يخالجه أي شك رسالته، وهو يعمل باستمرار على تحقيق أماني أمته”. أما الثاني فهو “القائد الذي تأثرت شخصيته بالحوادث التاريخية والإيمان العميق”.

وهكذا كان منطقياً أن يصنف علماء ومفكري علم التاريخ وعلم السياسة، الملك عبد العزيز عليهم صفة “العبقرية”، وفي مقدمهم: أمين الريحاني في كتابه (صانع الجزيرة الحديثة ــ بوسطن 1928م)، وجون فيلبي في كتبه العديدة عن (المملكة العربية السعودية ـــــ نيويورك 1955م)، وفاندر ميولن الديبلوماسي الهولندي الذي كتب كثيراً عن إنجازات الملك عبد العزيز وبينها (وصايا ابن سعود ـــ نيويورك1957م)

حسناً تلك المقدمة كان لا بد منها، فداخل هذه التعريفات كلها تبرز شخصية المؤسس الملك عبد العزيز كزعيم عبقري وقائد تاريخي ومصيري، تدعمه صفات شخصية في مقدمها الذكاء الخارق والقدرة على التأثير والاتصال والتأهب والاستعداد، فهو ذلك الفتى الذي نزح مع والده الإمام عبد الرحمن إلى الكويت وعمره لم يزل الـ 12 عاماً، وظلت فكرة استعادة ملك آباءه وأجداده حلماً يراوده، فقضى وقتاً في التأمل والتفكير العميق في المجد الضائع لأسرته، ما خلق أخيراً في نفسه تصميماً على استعادته.

رحلة “الزعامة العبقرية”، بدأت فتح الرياض وملحمتها البطولية الخارقة في توحيد البلاد، ففي 21 رمضان 1319هـ تحرك الملك عبد العزيز قاصداً العاصمة الرياض على رأس قوة تتألف من 60 مقاتلاً منهم رفاقه الـ 40 الذين خرجوا معه من الكويت من أسرته والموالين لهم، وانتهت المعركة بسقوط الرياض، وفي الخامس من شهر شوال من نفس العام، خرج الناس والأهالي مستبشرين بعد أن نودي فيهم (أن الحكم لله في بلدتهم ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن)

وبعد أن استتب الأمر، بدأت مسيرته في توحيد أجزاء البلاد، وفي الفترة من 1319هـ إلى 1344هـ، قاد الملك عبدالعزيز معارك وأحداث، بدءاً من دخول عنيزة العام 1322هـ، وموقعتي البكيرية والشنانة في العام نفسه، وموقعة روضة مهنا العام 1324هـ، وموقعة الطرفية العام 1325هـ، ودخول بريدة العام 1326هـ، وموقعة هدية العام 1328هـ.

وضم الأحساء العام 1331هـ، ثم موقعة جراب العام 133هـ، وموقعة تربة العام 1337هـ، وضم عسير العام 1338هـ، ثم حائل العام 1340هـ، وضم الطائف العام 1343هـ، ودخول مكة العام 1343، ثم تسلم المدينة العام 1344هـ، وأخيراً جدة في العام نفسه، حيث بويع حينها “ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها”، ثم “ملك الحجاز ونجد وملحقاتها”، إلى أن صدر مرسوماً بتوحيد بلاده باسم المملكة العربية السعودية.

تلك الرحلة السابقة، شهد خلالها الملك عبد العزيز مواقف في غاية التأزم والحرج تجاه خصومه، واقتضت في أحيان كثيرة أعصاباً فولاذية، وعزيمة وإرادة فاعلة. كما كان الملك عبد العزيز يدرك تماماً لعبة “التوازنات السياسية”، فالدول الكبرى التي تتنازع التبعية في جزيرة العرب تريد لنفسها المحافظة على مكانتها وهي تحترم القوة وتصادق من له الغلبة ويملك الحيلة والوسيلة، فيما كان خصومه في الداخل يترصدون له ويناوشونه أحياناً كثيرة.

وتعود عبقرية عبد العزيز مرة أخرى وتتمثل في مشروع الانصهار الذي أحدثه في توحيد أفراد الأمة، أو ما يطلق دارسو علم السياسة “الذوبان الاجتماعي”، ولا تكون مبالغة القول إن معظم الدارسات التي جرت على جميع النماذج القيادية في هذا الحقل لم تصل إلى المستوى الذي حققه الملك المؤسس.

والدارس لتاريخ المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت يجد أنها كانت تتألف من أربع مناطق جغرافية تضم عدد من القبائل الرئيسة والفرعية، ونجح الملك المؤسس بواسطة مشاريع عديدة هامة في مقدمها: توطين البادية، والتعليم، والإدارة الحكومية.

وحتى وقتنا الحاضر، لا زال الاتفاق السائد بين الدارسين والباحثين أن مشروع الملك عبد العزيز في توطين البادية كان يمثل برنامجاً سياسياً مستقلاً، هدفه الأساس توحيد القبائل والأقسام السياسية التي كانت تعد وحدات مستقلة فاستمرار هذه النمط من الحياة والوحدات يهدد أخيراً هيكل الدولة.

ففي العام 1330هـ أنشأ الملك المؤسس نظام الهجر لإسكان وتوطين القبائل، وبدأ بـ “هجرة الأرطاوية”، إذ تم فيها توزيع الأراضي الزراعية وطرقها على المستوطنين إضافة إلى رعي المواشي وتربيتها. وكان النجاح الباهر لهذه التجربة حافزاً على توسيعها وانتشارها، وبلغ عدد الهجر التي بنيت في عهده 200 هجرة ضمت أكثر من ثلث القبائل في نجد، ما أدى إلى انخفاض نسبة “البداوة” بين سكان البلاد حينها تدريجياً لتصل إلى نحو أقل من 50 في المئة في أواخر عهده.

وعلى رغم من تعدد الآراء حول أعداد الهجر وأهدافها ونتائج المشروع، تظل حقيقة ثابتة أولى، وهي أن الملك عبدالعزيز نجح في استخدامه كعامل رئيس في توحيد البلاد واستثمره في باقي مشاريعه الأخرى، إذ كان اللبنة الأولى لتلقين وتعليم “البدو” معنى المواطنة والارتباط بالوطن، ما مهد لتنظيم النظام القبلي البدائي السائد آنذاك، واستطاع أن ينقل شيوخ القبائل للعيش كرؤساء للهجر الجديدة، فتغيرت مهامهم وأصبحوا إداريين يعينهم الحاكم المقيم في الرياض، وبدأ الوضع الاجتماعي يتغير بانتقالهم من وظيفة الرعي إلى وظيفة الزراعة، وانفتحت الهجر لعدة فروع، ما ساعد أخيراً على وضع أسس المجتمع الجديد الذي خطط له الملك عبدالعزيز.

بالنسبة للتعليم، يمكن القول إن الملك عبد العزيز لعب دوراً كبيراً في ما يشبه تفجير “طاقاته”، خصوصاً حينما استثمر ببراعة وذكاء شديدين نماذج المدارس الخاصة في مناطق الحجاز والأحساء وعسير بعد أن استقر الأمر فيها له.

كما شجع عدداً كبيراً من مثقفي نجد الذين رحلوا إلى دول مجاورة مثل العراق والشام للعودة وفتح مدارس اختصاصية على غرار النماذج التي درسوا فيها. لكن المشكلة التي واجهها الملك عبد العزيز كانت تتمثل في ضعف الموارد المالية لإنشاء المدارس الحكومية، وحينما بدأ إنتاج النقط وزادت موارده، وكان هذا القطاع هو أول المستفيدين، وعممت حينها نظام المدارس الابتدائية في كل أنحاء البلاد.

إدارياً وتنظيمياً، لم يكن في يد الدولة الجديدة أي منهج إداري أو تنظيمي يستطيع أن يساعد على التخفيف من أعبائها أو يسهم في الأخذ بأسباب نموها، لم يكن هناك أيضاً جهاز إداري واضح الملامح يدير الأقاليم التي توحدت للتو، عدا شخصية الملك عبد العزيز نفسه، إذ كان هو المحور الذي تدور حوله، وتنطلق منه التعليمات أو التوجيهات المسيرة للكيان الجديد. وباستثناء منطقة الحجاز (لم يكن في نجد أو الأحساء سوى نمط واحد من أنماط الإدارة والمتمثل في أمير المنطقة أو حاكمها)، ثم وجود أمير في كل مدينة أو ديوان صغير يختص باستلام المعاملات، ويوجد أيضاً قاضي ومأمور مال، أما في الحجاز، فعندما دخلها الملك عبد العزيز العام 1343هـ (1924م)، كانت أنماط أدارية متداولة ولكنها قليلة ومتواضعة، مثل: الصحة، والبلدية، والأوقاف والقضاء.

واستمرت تلك الإدارات في أداء مهامها، وأضاف إليها الملك عبد العزيز المجلس الأعلى لإدارة شؤون مكة المكرمة، وهو مجلس يتكون من 15 عضواً يمثلون العلماء والأعيان والتجار، وهو مجلس اختص بأمور تنظيمية وتنفيذية، وهذا المجلس كان نواة مجلس الشورى.

وفي العام 1344هـ (1925م)، أمر الملك عبد العزيز بإنشاء هيئة استشارية مكونة من ثلاثة عشر عضوا، كما أمر بانتخاب مجالس استشارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف وينبع، ووضعت الهيئة المذكورة التعليمات الأساسية للحكم والإدارة، وهي التعليمات التي وافق عليها الملك عبد العزيز في العام 1345هـ (1926م). وقسمت هذه التعليمات إلى تسعة أقسام: يختص الأول منها بشكل الدولة وعاصمتها ولغتها، والقسم الثاني والثالث يختص بشؤون الحكم والإدارة والنيابة، كما قسمت أمور البلاد إلى شؤون شرعية وداخلية وخارجية ومالية وعسكرية ومعارف عامة.

ويتعلق القسم الرابع من تلك التعليمات بالمجالس الاستشارية، وهي مجلس الشورى، ومجالس الإدارة، ومجالس النواحي، ومجالس القرى، ومجالس القبائل، ومجلس الوكلاء الذي أنشئ في العام 1350هـ (1931م)، حسب توصية من لجنة التفتيش والإصلاح التي شكلت في العام 1346هـ (1927) لدراسة الجهاز الإداري في البلاد.

أما الأمور العسكرية والخارجية بالدولة فاحتفظ بها الملك عبد العزيز لنفسه، فدواعي المرحلة كانت تتطلب ذلك، أما أقسام التعليمات الأخرى فهي تتعلق بأمور تنظيمية وإدارية أخرى.

وفي العام 1351هـ (1932م)، أخذت ملامح الدولة الجديدة تتحدد بوضوح أكثر، كنتيجة حتمية لبعض الأحداث، وهي:

أولاً: إطلاق مسمى “المملكة العربية السعودية” على الدولة الموحدة، وكان ذلك بمثابة التأكيد على اكتمال مشروع الوحدة، وأصبحت الدولة الجديدة منذ ذلك التاريخ مهيأة للانطلاق في ترتيب أوضاعها الداخلية والخارجية من الناحية السياسية والتنموية،

ثانياً اختيار وحسم ولاية العهد، وهي نقطة هامة كانت في البنية التنظيمية والإدارية، وتم ذلك بعد سنة واحدة من إعلان الملكة العربية السعودية في العام 1352هـ (1933م).

في الجانب الاقتصادي، أثرت زيادة الصادرات النفطية بعد اكتشافه وإنتاجه، وانعكست المداخيل على تحسين الخدمات وتطورها في جميع مناطق البلاد الجديدة الحديثة، مثل: المستشفيات والمدارس ومرافق البريد والهاتف والطرق. هذا التطور الذي شهده قطاع الخدمات أدى بطبيعة الحال إلى استحداث إدارات جديدة، أي بعبارة أخرى إلى تطور التنظيم الإداري نفسه.

عاد الملك عبد العزيز ليواجه تحدياً آخر، فتطور بلاده ودخولها عالم المخترعات الحديثة والأنظمة الجديدة، أدخله في مواجهة “دقيقة وحساسة”، فأتخذ نفس الموقف التاريخي لكن لم يكن بطبيعة الحال معركة طاحنة مثل “السبلة”.

يبقى القول أخيراً، إن النظرة إلى الملك المؤسس عبد العزيز وأعماله كزعيم وقائد، تكشف أبعاداً كثيرة في شخصيته، وتوحيد دولة مترامية الأطراف وإحداث تنمية فيها قبل تأسيس النظريات الحديثة لم يكن أمراً سهلاً، بل لا مبالغة أنه كان أحد أبرز مؤسسيها على أرض الواقع.

*إعلامي وكاتب متخصص