في ضوء التطور الكبير لمفاهيم الإستراتيجية خلال السنوات الماضية؛ نتيجة للتغيرات والتطورات السريعة في البيئة المحيطة بالدول والمنظمات، لم يعد للارتجالية في النمو والتنمية والتطور والتحول الاقتصادي مكان في الخارطة الاستراتيجية.
حيث تم الانتقال من العمليات الإدارية اليومية ومواجهة الأزمات إلى رؤية مستقبلية مختلفة للعوامل الداخلية والخارجية القادرة على تحقيق التغيير الاستراتيجي في البيئة المحيطة، بما يحقق في النهاية توجهاً فاعلاً بصورة أفضل لتحقيق مصالحها.
وأصبح الاعتماد على الإلهام المبدع المبني على الوعي والإدراك، والقدرة على تحديد القضايا أو الفرص الرئيسة واقتحام مجالات جديدة، والانتقال من ردود الأفعال قصيرة الأجل إلى رؤية ظواهر الأمد البعيد، والنظرة الشمولية من خلال النظر إلى دائرة 360 درجة من جميع أقطارها وإلى أعلى وإلى أسفل.
الاتجاه من المهم إلى الأهم، ومن الأساس إلى القمة من أجل الوصول إلى تحقيق واندماج وفاعلية الوسائل ضمن خطط استراتيجية لتحقيق الأهداف السياسية، فالاستراتيجية فن تنظيم الموارد والقدرات وإدماج الوسائل.
فالاستراتيجية والمستقبل صنوان لا يفترقان، فالاستراتيجية مهمتها أنها تُرينا إلى درجة كبيرة الأحداث القادمة، الاستراتيجية تأخذ بأيدينا إلى احترام المنطق والرشد والعقل السليم والاتجاه الصحيح.
إن غرض الاستراتيجية ترجمة عناصر ومكونات السياسة الوطنية بما تحويه من مصالح وطنية وأهداف سياسية وإرشادات عليا، تؤدي إلى تأثيرات استراتيجية مقصودة في البيئات المختلفة من خلال البرامج والخطط المختلفة، فالاستراتيجية رابط بين السياسي والاستراتيجية وبين النظرية والتطبيق.
الاستراتيجية تشبه إلى حد كبير المجرة التي تتحرك داخل إطارها عدة كواكب، مكونات الاستراتيجية متعددة، وهي تمثل كامل النشاطات الإنسانية والمعنوية والمادية، كالتوجهات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
فالاستراتيجية يجب أن تتصف بالمرونة والقدرة على التكيف والموازنة بين الغايات والوسائل والطرق، وأن تضع حدوداً وأطراً عامة من أجل خدمة التخطيط السليم، والتخطيط عملية أكثر تنظيماً من الاستراتيجية وتنطلق منه.
الاستراتيجية الوطنية من الأسس المهمة في تطوير صناعات القرارات الوطنية خاصة في أبعادها الاستراتيجية، فهي تُصقل بالإرادة والتعلم، حيث أنه لم يُعد هناك أي شيء في الحياة لا يحتاج إلى استراتيجية من خلال دراسة الأفعال واستنتاج المؤشرات وفهم الظواهر والتوصل إلى منهج منطقي لإدارة المشروعات الاستراتيجية ويتطلب ذلك التعلم والبحث.
فالاستراتيجية تعمل في وسط يتأثر بتفاعل منطلقات الاستراتيجية الأربع السياسية والقانونية والثقافية والأخلاقية.
ويعتبر التوجه الاستراتيجي المدخل المحدد للمنظمة والذي يتم من خلاله تنفيذ الخطط من أجل تحقيق مستويات متفوقة من الأداء مقارنة بمنافسيها، أي أنه المنهج الذي تطبقه المؤسسة لكي تصل للأداء المتفوق والدائم.
فالاستراتيجية إطار عام موجه للتفكير والتصرف تتخذه العقلية الاستراتيجية ويكون مستمداً من الرسالة والأهداف العليا للدولة أو المنظمة، ليصبح بعد تبنيها وسيلة لتحقيق تلك الأهداف وموجهاً للقرارات المصيرية المستقبلية التي تتخذها تلك العقلية في تعبئة مواردها نحو التطوير المستمر لموقفها التنافسي ولمواطن قوتها من خلال إحداث الموائمة والتكيف مع البيئة الخارجية وصولا إلى أداء رسالتها.
فالقائد ذوو العقلية الاستراتيجية يتوجه بنشاط الدولة نحو خلق وصنع المستقبل الوطني الذي يمثل في جوهره التصور الاستراتيجي الذي يُعنى بالنظر إلى المستقبل، هؤلاء حقاً هم صناع المستقبل لدولهم لإبقائها فاعلة وحية ورائدة، فهم قادرون على تحديد ما يرغبون في حدوثه لبلادهم ثم العمل على جعله حقيقة واقعة.
فالعقلية الاستراتيجية تدرس طبيعة العلاقات التي تربط مكونات الاستراتيجية، فالأصل في أي استراتيجية أنها تتكون من أهداف (غايات) يضعها السياسيون، ووسائل (موارد) وطنية وبشرية وصناعية، وطرق (خطط) يُعدها الاستراتيجيون، ويجب صنع توازن في هذه العلاقة.
تقوم العقلية الاستراتيجي على اتباع إطار منهجي يتجه نحو المستقبل مع عدم إهمال الماضي، وإدراك الواقع الذي تقف فيه الدولة الأمر الذي يؤدي إلى تجنب أخطاء الماضي، قادرة على قيادة عمل جماعي يضمن تكاتف مكونات المجتمع نحو رؤية مستقبلية.
إن ما يميز العقلية الاستراتيجية عن غيرها هو ذكاء المواقف واختيار الموارد المناسبة لكل موقف والتدرج في استخدام القوى من الأقل تأثيراً إلى الأكثر تأثيراً.
والعقلية الاستراتيجية قادرة على توحيد مختلف الرؤى والأطروحات الغامضة والمعقدة، مع الأخذ في الاعتبار الماضي والحاضر والمستقبل، وتقييم المعلومات والمخرجات من خلال مناظير علمية وحيوية وإبداعية وأخلاقية منظمة.
العقلية الاستراتيجية تقوم بإعداد عدة سيناريوهات بديلة للمستقبل وذلك عن طريق محاولة استشعار البيئة الخارجية ورصد أي إشارات ضعيفة والتي تكون غالباً نذيراً بحدوث تغييرات رئيسة كبرى.
تبنى العقلية الاستراتيجية على أسس من أهمها ينبغي أن يكون لديها رؤية مترابطة، وفهم ما يجري من أحداث واضحة وخفية، وكيفية التعامل معها، وتحليل هذه الحوادث (مقصودة وغير مقصودة) ومن يقف وراءها سرعة ومساحة تمددها وإعداد الوثيقة المناسبة (بحث ودراسة تقرير …الخ).
العقلية الاستراتيجية هي مزيج من النظرية الاستراتيجية والفعل الاستراتيجي، العقلية الاستراتيجية هي من صنعت وهندست رؤية المملكة 2030
- أستاذ القيادة والتخطيط الاستراتيجي
