رغم أن لغات أخرى مثل اليونانية والعبرية واللاتينية بدأ تدوينها قبل العربيّة، إلا أنها لم تُحافظ على نفسها نابضةً كما حُفظت العربية بحفظ القرآن الكريم، في موطنها الأول في الجزيرة العربية، والتي امتدت منها عبر قبائلها البدوية في غرب الجزيرة إلى منطقة بلاد ما بين نهري دجلة والفرات، وإلى جبال لبنان غربًا، وإلى سيناء جنوبًا قبل ألف عام تقريبًا.
والعربية -التي يزامن اليوم الاحتفاء بيومها العالمي– باعتبارها لغة سامية وإن يبدو مهدها غائم المعالم، فإنها منذ القدم تُعرف باختلاف لهجاتها، فمنها ما هو بائدٌ، ومنها ما بقِي بقاء أهله، ولعلَّ أعلاها وأفصحها وأبقاها لهجة قريش، الأقوى حضورًا، والأقرب مأخذًا؛ والتي فرضت نفسها بمَا بوأ أهلها مكانة أنهم أهل البيت الحرام.
وقد دأبت المملكة العربية السعودية منذ نشأتها على إيلاء اللغة العربية عناية فائقة، وحرص ملوكها بدءًا من الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، مرورًا بأبنائه الملوك -رحمهم الله جميعًا- ووصولًا لعهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- على الحفاظ على اللغة العربية ودعم تعليمها وانتشارها على الأصعدة كافة. واستشعرت المملكة أهمية هذه اللغة، فجعلتها هدفًا واضحًا وصريحًا من أهداف رؤية 2030.
المملكة وبداية الاهتمام باللغة العربية
يرجع أستاذ علم اللغة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية د. سعود بن عبدالله آل حسين ارتقاء اللغة العربية في المملكة إلى ازدهار التعليم في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- ثم تطوره في عهد مَن تعاقبوا على حكم هذه البلاد إلى عهد خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين -حفظهما الله-.

ويقول في تصريحات له في العام 2021، إن العربية تحقق لها مع تأسيس المملكة ما لم يكن من قبل، فقد ازدهرت ونشطت الفصحى على حساب اللهجات العامية، التي كانت هي الحية فيما قبل التعليم وازدهاره، كما افتتحت لها الأقسام المتخصصة في دراسة قضاياها والمسؤولة عن تطوير تعليمها.
وكذلك لم يتوقف الأمر عند هذا، بل تجاوزه إلى الاهتمام بتعليم العربية ونشرها على مستوى العالم عن طريق تعليمها للناطقين بغيرها، فظهر سلسلة كتب “العربية للناشئين”، الذي طبعته وزارة المعارف عام 1982، إبان وزارة د. عبدالعزيز الخويطر، والذي يصفه بأنه “تاج بين الكتب التي خدمت بها العربية على مستوى العالم”.
ويعود للمملكة أنها أول من دعا بالتعاون مع المغرب لإدراج اللغة العربية في اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة، ليحتفل العالم يوم 18 ديسمبر من كل عام باليوم العالمي للغة العربية.
وقد جعلت المملكة اللغة العربية المادة الأولى من الدستور السعودي، والذي يجعل اللغة العربية أساسًا لأنظمة الدولة وهويتها. كما جاءت رؤية المملكة لـ2030 لتعزز ذلك الاهتمام، حينما تضمنت إشارة مباشرة إلى ضرورة العناية باللغة العربية بوصفها جزءًا أساسيًا من مكونات الهوية الوطنية السعودية.
أبرز جهود المملكة في الحفاظ على اللغة العربية
تعمل وزارة التعليم في المملكة ضمن خارطة طريق واضحة لمكافحة الأمية الهجائية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، والتي ساهمت في الحد من الأمية وخفض نسبتها إلى 3.7%. كما أطلقت مشروع تحسين مستوى طلاب التعليم العام في اللغة العربية، والذي يهدف إلى تحسين أداء طلاب التعليم العام بدول الخليج في مهارات اللغة العربية، وتقوية صلة الطلاب بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والتراث العربي الأصيل بما ينمي أداءهم اللغوي.
وكذلك، تم تطوير المناهج الدراسية وخاصة مناهج اللغة العربية لمختلف المراحل العمرية، وتطوير طرق تدريسها، والتوسع في تعليم الخط العربي لكل الصفوف. كما أسهمت معاهد وكليات تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بالجامعات السعودية إلى زيادة نسبة المتعلمين للغة العربية من غير الناطقين بها، ما أتاح بدوره نشر الثقافة الإسلامية عالميًا، إذ يتم استقبال الألوف من الطلاب الوافدين الراغبين في تعلم اللغة العربية.
مبادرة الملك عبد الله للمحتوى العربي في الإنترنت
في العام 2007 أطلقت المملكة مبادرة الملك عبد الله للمحتوى العربي في الإنترنت، وذلك بهدف مواكبة أفضل وسائل التعليم في العصر الحديث، وقد تفرعت عن هذه المبادرة: المدونة العربية، والمعجم الحاسوبي التفاعلي، والسلسلة العربية لكتب التقنيات، والفهرس العربي الموحد الذي أنشأته مكتبة الملك عبد العزيز، ويعد أحد أهم مشروعات المكتبات العربية.
مركز خدمة اللغة العربية
وفي العام 2008، تأسس مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز للتخطيط والسياسات اللغوية، لغرض تحسين أداء اللغة العربية في جميع أنحاء الدول العربية، جنبًا إلى جنب مع تأصيل أعمال التخطيط والسياسات اللغوية على المستوى الوطني، ما حوله لبيت خبرة على مستوى العالم العربي.
مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية
وفي سبتمبر من العام 2020، تأسس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، بموجب قرار مجلس الوزراء السعودي، للمساهمة في تعزيز دور اللغة العربية إقليميًا وعالميًا، وإبراز قيمتها المعبّرة عن العمق اللغوي للثقافة العربية والإسلامية، وليكون مرجعية علمية على المستوى الوطني فيما يتعلق باللغة العربية وعلومها، ضمن المبادرات الثقافية التي تنفذها المملكة.

