بندر السليس – نائب رئيس التحرير في صحيفة الوئام
تحيط بنا الإعلانات، في كل زاوية من حياتنا اليومية، نجد أنفسنا مستهدفين برسائل تسويقية تخترق خصوصيتنا. مايجعل لحظة تصفح بريئة لوسائل التواصل الاجتماعي تتحول إلى ساحة تسوق افتراضية، تلاحقنا فيها منتجات وأفكار تُقنعنا بأنها احتياجات لا غنى عنها. ولكن وسط هذا الزخم الدعائي، كيف نحمي قراراتنا من الوقوع تحت تأثير هذه الموجة الاستهلاكية؟
الإعلانات لم تعد كما كانت في السابق، مجرد لافتة ثابتة أو إعلان تلفزيوني عابر. اليوم، أصبحت ذكية ومتقدمة، تعتمد على الخوارزميات لتحليل سلوكنا الرقمي واستهدافنا بدقة، لا عجب أن تجد إعلانًا عن منتج فكرت فيه للتو يظهر أمامك كأنه يقرأ أفكارك.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فقد تحول التسويق من كونه منطقيًا يعتمد على إقناعنا بفوائد المنتجات، إلى تسويق عاطفي يبيعنا وعودًا بالسعادة، القبول الاجتماعي، والنجاح الشخصي، وكأن امتلاك المنتج هو المفتاح لتحقيقها، وهكذا تتحول قراراتنا الشرائية إلى استجابات عاطفية تدفعنا لشراء ما لا نحتاجه، فقط لأننا اقتنعنا للحظة أنه سيجعل حياتنا أفضل.
هذا التأثير، الذي يمكن وصفه بـ”الاستهلاك العاطفي”، أضحى يشكل ضغطًا على الأسر، حيث يؤدي إلى قرارات شرائية غير محسوبة. والأزمة هنا ليست فقط في المال المهدور على منتجات غير ضرورية، بل في فقدان القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، ما يجعل المستهلك رهينة للتأثير الإعلاني دون وعي.
ولمواجهة تأثير الإعلانات، يجب تعزيز الوعي الاستهلاكي من خلال التفكير العقلاني قبل الشراء، عبر سؤال بسيط: هل هذا المنتج حاجة فعلية أم مجرد رغبة زرعتها الإعلانات؟ بالإضافة إلى أن الالتزام بميزانية محددة يقلل من الانجراف وراء العروض المغرية.
كما أن فهم استراتيجيات الإعلانات وخوارزمياتها يتيح لنا مقاومة تأثيرها العاطفي، فيما يمكن لتقييد الإعلانات الموجهة عبر منصات التواصل أن يقلل من حضورها المستمر في حياتنا اليومية.
دور الأسرة محوري في بناء هذا الوعي، من خلال تعليم الأطفال منذ الصغر كيفية التمييز بين الاحتياجات والرغبات، وترسيخ قيم استهلاكية مسؤولة تساهم في بناء وعي مجتمعي أكثر نضجًا.
الإعلانات جزء طبيعي من الحياة الاقتصادية، إلا أنها قد تصبح مؤثرة بشكل سلبي إذا لم نحكم سيطرتنا عليها، فتتحول إلى قوة خفية توجه قراراتنا دون وعي. والحل لا يكمن في تجنبها بالكامل، بل في استعادة زمام الأمور كمستهلكين، بحيث نقود قراراتنا بأنفسنا بدلًا من أن تقودها شاشة صغيرة بين أيدينا.

