نهر عبدالوهاب حريري
تشهد الساحة الدرامية العربية، والسعودية تحديدًا، تزايدًا ملحوظًا في ظاهرة الدراما المُعرّبة، حيث يتم اقتباس نصوص أجنبية وإعادة إنتاجها لتتناسب مع الذائقة المحلية. وأعتقد أن هذه الظاهرة باتت خيارًا شائعًا لدى شركات الإنتاج، حيث توفر بديلاً آمنًا يضمن نسب مشاهدة مرتفعة ويقلل المخاطر التجارية المرتبطة بالنصوص الجديدة غير المجربة. ومع ذلك، يطرح هذا التوجه تساؤلات جوهرية: هل يمثل التعريب استراتيجية إنتاجية ناجحة أم تهديدًا للهوية الدرامية؟ وهل هو مجرد مرحلة مؤقتة، أم أنه سيشكل مستقبل الصناعة؟
في رأيي، تحقيق التوازن بين الإبداع والربحية يشكل دائمًا تحديًا أمام صنّاع الدراما، وهو ما دفع العديد من شركات الإنتاج إلى تبني نموذج التعريب كخيار مضمون النجاح. فبدلاً من المخاطرة بتقديم أعمال أصلية غير مضمونة النتائج، يتم اللجوء إلى قصص أجنبية أثبتت نجاحها في سياقات أخرى، ثم إعادة إنتاجها محليًا. على سبيل المثال، مسلسل خريف القلب، المقتبس من الدراما التركية حطام (Paramparça)، حصد نسب مشاهدة مرتفعة بعد عرضه على منصة شاهد، مما يعكس جدوى هذا النهج من الناحية التسويقية.
لكن، هل يمكن اختزال النجاح في مجرد الأرقام؟ أعتقد أن المسألة لا تتعلق فقط بنسب المشاهدة، بل تمتد إلى مدى ملاءمة العمل للواقع المحلي، ومدى نجاحه في تقديم رؤية إبداعية تتجاوز مجرد النقل الحرفي. عندما يصبح التعريب مجرد “استنساخ مشوّه” لا يراعي السياق الثقافي ولا يعيد بناء القصة برؤية أصيلة، فإنه لا يقدم أي إضافة حقيقية للصناعة، بل يتحول إلى استهلاك للنماذج الأجنبية بدلاً من تطوير هوية درامية مستقلة. وهنا يبرز التساؤل: هل الدراما السعودية بحاجة إلى استيراد الأفكار، أم إلى تطوير نموذجها الخاص؟
بالتأكيد لسنا بحاجة للاستيراد، فقد برهنت العديد من الإنتاجات المحلية على جاذبيتها، مستندة إلى سرد أصيل يعكس الهوية الثقافية والمجتمعية للمملكة. ويبرز في هذا السياق مسلسل “خيوط المعازيب”، الذي تم تصويره في الأحساء، كأحد النماذج اللافتة التي نجحت في تقديم محتوى محلي مميز. لم يكن المسلسل مجرد عمل درامي، بل شكل نافذة على واحدة من أهم الحرف التقليدية في المملكة، وهي صناعة البشت، حيث لم يكتفِ بتسليط الضوء على هذه الحرفة، بل ساهم أيضًا في إبراز الهوية الثقافية وتسويقها على نطاق أوسع. وقد نال المسلسل على أربع جوائز مرموقة خلال حفل توزيع جائزة الدانة للدراما، الذي أقيم في العاصمة البحرينية المنامة، ضمن فعاليات مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون 2024. وتمكن المسلسل من اقتناص جوائز أفضل نص، وأفضل مسلسل اجتماعي، وأفضل مخرج، وأفضل ممثل، مما يعكس قيمته الفنية ومكانته في المشهد الدرامي الخليجي.
أما على مستوى السينما، فقد أثبتت الأفلام السعودية أن الجمهور متعطش للأعمال التي تنبع من بيئته وهويته. فقد حصد فيلم هُبال، الذي عُرض في صالات السينما السعودية في 2 يناير 2025، إيرادات تجاوزت 7.5 مليون ريال خلال أول ثلاثة أيام فقط، مما يعكس رغبة الجمهور في مشاهدة أعمال محلية أصيلة بدلاً من الأعمال المستوردة أو المعرّبة. أرى أن مثل هذه النجاحات تدحض الادعاء القائل بأن الجمهور العربي، والسعودي تحديدًا، يفضّل الاقتباسات الأجنبية على الإنتاجات المحلية.
هل يمكن أن يستمر التعريب كنهج رئيسي في صناعة الدراما دون أن يؤثر على تطورها؟
أعتقد أن الإفراط في التعريب قد يحمل تداعيات سلبية على المدى البعيد، خصوصًا إذا تحوّل إلى بديل عن دعم الإبداع المحلي. فبدلاً من الاستثمار في تطوير كُتّاب ومخرجين سعوديين قادرين على تقديم أعمال أصلية تنافس عالميًا، نجد أن بعض الشركات تفضّل توجيه الموارد إلى إعادة تدوير الأفكار المستوردة، مما قد يضعف الصناعة على المدى الطويل.
لذا الحل لا يكمن في رفض التعريب تمامًا، بل في التعامل معه بذكاء ووعي، بحيث يكون وسيلة مرحلية لا استراتيجية دائمة. فالمسألة ليست في الاقتباس بحد ذاته، بل في كيفية إدارته بحيث يُسهم في تطوير الصناعة ولا يكون عائقًا أمام استقلاليتها الإبداعية.
في الختام، مستقبل الدراما السعودية مرهون بقدرتها على تحقيق توازن بين التعريب والإبداع الأصيل، من خلال دعم المواهب المحلية القادرة على تقديم محتوى منافس إقليميًا وعالميًا. فهل ستتبنى الدراما السعودية هذا التوجه، أم ستظل أسيرة الاقتباس؟

