خاص – الوئام
عندما يتحدث جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، تهتز أروقة السياسة في أوروبا، وترتفع المخاوف من تحول واشنطن إلى قوة انعزالية تقلب موازين التحالفات التقليدية.
لم يكن صعود فانس مجرد صدفة، بل هو انعكاس لموجة سياسية جديدة تعيد تشكيل أولويات الولايات المتحدة، واضعةً الحلفاء التقليديين في موقف لا يُحسدون عليه.
مع كل خطاب ناري يلقيه، يبدو أن مرحلة جديدة قد بدأت، حيث باتت أوروبا مضطرة لإعادة حساباتها الاستراتيجية، خصوصًا مع تنامي الشكوك حول مستقبل الدعم الأمريكي لكييف والتزامات واشنطن تجاه الناتو.
فانس.. أكثر من مجرد نائب
خلال مؤتمر ميونيخ الأخير، بدا فانس أكثر من مجرد نائب للرئيس، بل أشبه بصوت واشنطن الحقيقي في صياغة سياساتها الجديدة؛ خطابه اللاذع ضد الحكومة البريطانية، واتهاماته لها بتقييد حرية التعبير، كشفا عن توجهات أمريكية أكثر تشددًا تجاه الحلفاء، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التصريحات تعبر عن قناعاته الشخصية أم أنها رسائل مدروسة من البيت الأبيض.
الواقع أن فانس ليس مجرد مسؤول عادي، بل هو اليد الطولي لترمب في إدارة الملفات الحساسة، وخاصة العلاقات عبر الأطلسي.
صفقة تجارية أم ورقة ضغط؟
تشير الإندبندنت البريطانية إلى أنه في الوقت الذي يطمح فيه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى إبرام اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، يجد نفسه في مواجهة عقبة فانس، الذي بات يقود المفاوضات بتوجهات صارمة.
وبينما يرى ستارمر أن الاتفاق يجب أن يركز على الصناعات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، يضع فانس شروطًا مختلفة تمامًا، مستغلًا المفاوضات كأداة ضغط لإجبار بريطانيا على تغيير سياساتها المتعلقة بالإنترنت والتشريعات الرقمية. فالرسالة واضحة: “أمريكا لم تعد تقدم الهدايا، بل تفرض شروطها”.
أوروبا في مواجهة اختبار صعب
التحولات في واشنطن لم تقتصر على بريطانيا وحدها، بل امتدت إلى القارة الأوروبية بأكملها؛ تصريحات فانس الأخيرة، التي ألمح فيها إلى إمكانية تقليص الدعم الأمريكي لأوكرانيا، أرسلت إشارات إنذار إلى العواصم الأوروبية.

أوروبا، التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية، تجد نفسها اليوم أمام احتمال الاضطرار إلى تمويل وتسليح أوكرانيا بمفردها، وهو ما يتطلب استثمارات هائلة في القدرات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية.
جي دي فانس.. الصاعد الذي يقلب المعادلات
مع بدء الحديث عن انتخابات 2028، يبدو أن فانس ليس مجرد سياسي عابر، بل مشروع رئيس مستقبلي. دعمُه من قبل نخبة وادي السيليكون، وخطابه الذي يجذب الناخبين ذوي النزعات القومية، يجعله واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في المشهد السياسي الأمريكي.
رؤيته للعالم تتعارض بشكل واضح مع الأسس التي قام عليها النظام الليبرالي العالمي، فهو لا يرى في أوروبا شريكًا استراتيجيًا بقدر ما يعتبرها عبئًا اقتصاديًا يجب على واشنطن التحرر منه.
مصير الناتو ومخاوف الحلفاء
إذا واصل فانس وفريقه الدفع باتجاه سياسة أمريكية أكثر انعزالية، فإن مستقبل الناتو قد يكون على المحك. فانس، الذي يروج لفكرة أن أوروبا يجب أن تعتمد على نفسها عسكريًا، يثير قلق الحلفاء الذين يدركون أن إنشاء قوة دفاعية أوروبية مستقلة يحتاج إلى عقود من الزمن واستثمارات ضخمة.
وفقًا لتقديرات معهد “بروغل” في بروكسل، فإن القارة بحاجة إلى إنفاق إضافي بقيمة 250 مليار يورو سنويًا لتعويض أي انسحاب أمريكي محتمل.
خيارات محدودة أمام أوروبا
مع تصاعد نبرة فانس، باتت خيارات أوروبا محدودة. التهدئة قد تجنبها التصعيد، لكنها لا تضمن تحقيق مكاسب استراتيجية، بينما المواجهة قد تعني خسارة الدعم الأمريكي تمامًا.
في ظل هذه المعادلة الصعبة، تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة لإعادة التفكير في مستقبلها الأمني بعيدًا عن واشنطن.
مع كل خطاب يلقيه فانس، يتضح أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على التحالفات التقليدية كما كانت؛ أوروبا، التي اعتادت على المظلة الأمريكية، قد تجد نفسها قريبًا أمام اختبار حقيقي، وهو الوقوف بمفردها في وجه العواصف القادمة.

