خاص – الوئام
على مدار عام كامل، تقاذفت غزة أمواج الصراع، فغابت ملامحها خلف الدمار، وتلاشت أصوات سكانها تحت وطأة القصف والتشريد.
ووسط هذا الخراب، يتجدد السجال حول مستقبلها، بين مقترحات تسعى لإعادة البناء دون المساس بجذور سكانها، وأخرى ترى في التهجير حلاً قسريًا يعيد تشكيل واقع جديد.
وبينما تتصارع الرؤى، تتسابق العواصم العربية لوضع تصور يضمن بقاء الفلسطينيين على أرضهم، ويرسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب، في محاولة لتجاوز صدى الدمار إلى أفق أكثر استقرارًا.
قمة طارئة في القاهرة
في ظل تعثر الهدنة في غزة وطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقترحًا مثيرًا للجدل حول إعادة توطين سكانها، يسارع القادة العرب إلى وضع خطة تضمن بقاء الفلسطينيين في أراضيهم، وتشكيل لجنة تكنوقراطية للإشراف على إعادة الإعمار بعد الدمار الكبير الذي لحق بالقطاع.
تتسارع الخطى بقيادة عربية لوضع اللمسات الأخيرة على خطة عربية شاملة قبل انعقاد قمة طارئة لجامعة الدول العربية في القاهرة، حيث زادت حدة التوتر بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعليق جميع المساعدات إلى غزة، متهمًا حماس برفض تمديد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، فيما تستمر إسرائيل في تأخير التفاوض حول المرحلة الثانية من الاتفاق.
خطة عربية بديلة لمقترح ترمب
تتضمن الخطة العربية والتي قدمتها القاهرة، مشروع إعادة إعمار يقوده العرب على مراحل، يضمن بقاء الفلسطينيين في مساكن مؤقتة أثناء إعادة بناء أحيائهم.
تأتي هذه المبادرة كبديل لمقترح ترمب، الذي يدعو إلى إخلاء غزة وتحويلها إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، وهي فكرة أثارت غضب العديد من الدول، خصوصًا مصر والأردن، اللتين تريان في التهجير تهديدًا وجوديًا لاستقرارهما.

وفق ما نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية فإنه خلال الأسابيع الماضية، بذلت الدول العربية، بقيادة مصر، جهودًا مكثفة لتوحيد موقفها إزاء مستقبل غزة.
تحديات إعادة الإعمار
وفقًا لتقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة، فإن تكلفة إعادة إعمار غزة تتجاوز 53 مليار دولار. ومع ذلك، تقترح مصر تنفيذ عملية الإعمار على ثلاث مراحل خلال فترة تمتد من ثلاث إلى سبع سنوات، تبدأ بإزالة الأنقاض خلال ستة أشهر، ثم استعادة الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي، يليها إعادة بناء المدارس والمستشفيات، وأخيرًا تأهيل الأحياء السكنية والبنية التحتية الاقتصادية.
تتضمن الخطة تقسيم القطاع إلى مناطق، بحيث يتم نقل السكان من منطقة إلى أخرى أثناء عملية الإعمار. وتؤكد مصر أن هذه العملية ستتم دون تهجير أي فلسطيني خارج القطاع، حيث أبدت شركات مصرية متخصصة استعدادها لتوفير مساكن متنقلة مؤقتة خلال هذه الفترة.
تدريب قوات أمن فلسطينية
أعلنت مصر استعدادها لتدريب قوات أمن فلسطينية لتولي مسؤولية تأمين القطاع بدلًا من حماس، بحيث تتكون هذه القوات من ضباط سابقين خدموا في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية قبل سيطرة حماس على غزة عام 2007.
كما بدأت عمليات التدريب بالفعل، وسط احتمال إرسال مستشارين أمنيين مصريين لمساعدة القوة الجديدة مستقبلاً.
رغم عدم تحديد مصادر التمويل بشكل واضح، فإن القادة العرب سيناقشون في القمة كيفية تمويل عملية إعادة الإعمار، فيما تتعاون مصر مع الأمم المتحدة لعقد مؤتمر دولي للمانحين.
كما تواجه الخطة تحديًا يتمثل في إقناع إسرائيل والولايات المتحدة بقبولها، حيث بدأت شخصيات عربية مؤثرة بالفعل بعرض المقترح على المسؤولين الأمريكيين، في محاولة لتنسيق الرؤية مع إدارة ترامب.
العقبات الإسرائيلية
لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصر على مواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافه، ما يخلق عقبة كبيرة أمام تنفيذ أي خطة عربية.
كما أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي تتضمن إنهاء الحرب والإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين مقابل الانسحاب الإسرائيلي، تواجه عراقيل بسبب السياسات الإسرائيلية الأخيرة، رغم استمرار الجهود المصرية لإعادة المفاوضات إلى مسارها الصحيح.
على الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية، تسعى الدول العربية لطرح رؤية متكاملة لمستقبل غزة خلال القمة، بهدف توفير بديل عملي لمقترحات التهجير، وضمان استقرار المنطقة على المدى الطويل.

