خاص – الوئام
في أكتوبر 2022، فرضت الولايات المتحدة قيودًا شاملة على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها، مستكملةً نهجًا بدأ في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى. الهدف كان واضحًا؛ قطع الطريق أمام الصين للحصول على المعالجات الأكثر تقدمًا، والتي تُعد ضرورية لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تشغيل أسلحة ذاتية، وشن هجمات إلكترونية ضخمة، وتعزيز قدرات التجسس.
لكن المسؤولين الأمريكيين أدركوا منذ البداية أن هذه القيود لا يمكن أن تنجح بمعزل عن الآخرين، إذ أن سلسلة توريد أشباه الموصلات تعتمد على دول أخرى مثل اليابان وهولندا وكوريا الجنوبية، وهي دول تنتج مكونات أساسية في الصناعة.
كبح طموحات بكين التكنولوجية
نجحت إدارة ترامب في إقناع هولندا بوقف بيع معداتها الأشد تطورًا إلى الصين، مما مهد الطريق لإدارة بايدن لإطلاق حملة دبلوماسية ممنهجة لوقف تدفق التكنولوجيا المتقدمة إلى بكين. هذا التوجه اتّسم بمزايا عدة، أبرزها أن الدول الأخرى تمتلك تكنولوجيا حساسة قد تُحدث طفرة في قدرات الصين التصنيعية.
تشير مجلة فورين آفيرز الأمريكية إلى أن شركة ASML الهولندية، الوحيدة عالميًا القادرة على تصنيع آلات الطباعة الضوئية فائقة الدقة المستخدمة في إنتاج الرقائق الأكثر تعقيدًا. ومن خلال اتفاقات متعددة الأطراف، أصبح من الصعب على الشركات الصينية استبدال المعدات الأمريكية بنظيراتها اليابانية أو الهولندية.
تحديات واقعية
حققت هذه الاستراتيجية بعض النجاحات، حيث أعلنت اليابان وهولندا فرض قيود تصدير جديدة على أشباه الموصلات في 2023 وأوائل 2025. لكنّ تنسيق مثل هذه الجهود يستغرق وقتًا ويستلزم تنازلات معقّدة، ما منح الصين فرصة ثمينة لتخزين كميات هائلة من الرقائق والمعدات المتقدمة.
رغم المكاسب الدبلوماسية، تبرز إغراءات واضحة لاتباع نهج أحادي أكثر عدوانية، خاصة في ظل تراجع التفوق الأمريكي في سباق الذكاء الاصطناعي. ومع أن إدارة ترامب الثانية تفضّل الإجراءات الأحادية، فإن ذلك يحمل مخاطر كبيرة، خصوصًا إذا تراجعت الهيمنة التكنولوجية أو تآكل النفوذ الدبلوماسي الأمريكي.
التعاون المتعدد الأطراف
العمل مع الحلفاء أثبت فعاليته في تقليص قدرات الصين التقنية. ولضمان استمرار هذا النجاح، على واشنطن الحفاظ على حدّ أدنى من الدبلوماسية. لكن الواقع يشير إلى أن دبلوماسية الرقابة على التصدير ليست سهلة، حتى مع أقرب الشركاء.

فكثير من الدول تتردد في التضحية بمصالح شركاتها في السوق الصينية، أو في إثارة غضب بكين، التي لا تتوانى عن استخدام أدوات الردع الاقتصادي، كما فعلت مع اليابان عندما هددت بإيقاف تصدير المعادن اللازمة لصناعتها.
القيود المتعددة تواجه بطء
إجراءات التنسيق الفني والتوافق الاستراتيجي تستغرق شهورًا، ما يجعل مواكبة التطورات التكنولوجية تحديًا مستمرًا. وقد استغلت الصين هذا البطء، فزادت وارداتها من آلات الطباعة الضوئية الهولندية أربعة أضعاف عام 2023، قبل دخول القيود حيز التنفيذ الكامل.
وفي الأشهر السبعة الأولى من 2024، استوردت الصين معدات تصنيع رقائق بقيمة قياسية بلغت 26 مليار دولار، مستفيدة من التردد الدولي، في وقت استفادت شركات كبرى مثل ASML وتوكيو إلكترون وأبلايد ماتيريالز من الطلب الصيني المتزايد.
مخاطر التفكك الدولي
تميل بعض الدول، مقارنة بالولايات المتحدة، إلى تجنّب المخاطر، سواء بسبب الضغوط الصينية أو بسبب اشتراطها أدلة أكثر قبل اتخاذ قرارات الحظر.
هذا يضع واشنطن أمام خيارين: إمّا تشديد القيود منفردة، بما يضر شركاتها ويمنح المنافسين ميزة دخول السوق الصينية، أو تخفيف القيود لتتناسب مع أكثر الدول تحفظًا.
النتيجة في الغالب هي لوائح أضعف، تشمل عددًا أقل من المنشآت الصينية أو معدات متقدمة محدودة، وقد يتم تجاوز فئات كاملة من التكنولوجيا الحساسة دون حظر.
سلطة جديدة تغيّر قواعد اللعبة
استجابة للتحديات الدبلوماسية، لجأت واشنطن إلى آلية نادرة تُعرف بـ “قاعدة المنتج الأجنبي المبني على التكنولوجيا الأمريكية”، والتي تتيح لها فرض حظر على أي منتج أجنبي إذا استُخدمت فيه أدوات أمريكية.
ورغم أن هذه القاعدة موجودة منذ عام 1959، إلا أن استخدامها بدأ يتوسع منذ 2020، خاصة تجاه روسيا والصين وشركات مثل هواوي. وفي ديسمبر 2024، توسّعت وزارة التجارة الأمريكية في تطبيقها لتشمل أي معدات أجنبية تحتوي على شريحة واحدة فقط صُنعت بأداة أمريكية.
قيود أمريكية جديدة
بفضل هذه القاعدة، أصبحت واشنطن قادرة على فرض قيود أحادية تتجاوز الدبلوماسية التقليدية، وتمنع وصول الصين إلى أسواق بديلة، كما تمنح الشركات الأمريكية ميزة تنافسية.
لكن اللافت أن القاعدة الجديدة استثنت الدول التي تشارك في آليات رقابة تصدير متعددة الأطراف، مثل اليابان وهولندا، انطلاقًا من فرضية أنها ستفرض قيودًا مكافئة. وقد تحقق ذلك بالفعل، إذ أصدرت هولندا واليابان قيودًا مشابهة مطلع عام 2025، ما يشير إلى أن التوازن بين التفرد والتعاون لا يزال ممكنًا.

