بين حقول سومي المتجمدة وبلداتها التي باتت خالية من سكانها، تتحرك القوات الروسية في صمت مدروس، نحو أهداف يبدو أنها لا تتعلق بالسيطرة الكاملة بقدر ما تهدف إلى تغيير قواعد الاشتباك على الحدود الأوكرانية الروسية.
ففي شمال وشرق أوكرانيا، تتبع روسيا تكتيكًا مغايرًا لما اعتاد عليه المراقبون في بدايات الحرب.
لم تعد الحملات الصاخبة والعناوين العريضة سمة التوغل، بل تتجلى الاستراتيجية في تقدم محسوب، يستهدف القرى الحدودية واحدة تلو الأخرى، بهدف تشكيل منطقة عازلة تحمي العمق الروسي من التوغلات الأوكرانية.
ويقول محللون عسكريون إن هذا التقدم الروسي لا يهدف إلى ضم أراضٍ جديدة، بل إلى تقليص قدرة كييف على شن هجمات عبر الحدود، كما حصل في هجوم كورسك العام الماضي، حين نفذت أوكرانيا عملية مفاجئة أوقعت خسائر روسية ملموسة قبل أن يتم صدها.
وكانت موسكو قد أعلنت قبل أيام سيطرتها على قرية “فودولاغي” قرب الحدود في منطقة سومي، ما دفع السلطات الأوكرانية إلى إجلاء سكان 11 قرية مجاورة وسط مخاوف من هجوم روسي وشيك.
من جانبه، صرّح رئيس الأركان الأوكراني أولكسندر سيرسكي أن الهجمات الروسية تتركز حاليًا في دونيتسك وسومي، فيما يستمر الضغط على جبهات الجنوب، ولا سيما زابوريجيا، وسط نقص حاد في العتاد والموارد لدى الجيش الأوكراني.
وتأكيدًا لتصاعد التهديد، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن أكثر من 50 ألف جندي روسي يحتشدون قرب حدود سومي، في إشارة إلى أن موسكو تأخذ هذه الجبهة على محمل الجد.
رامي القليوبي، الأستاذ الزائر بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، يرى أن هدف روسيا من التحرك شمالًا لا يتجاوز إقامة منطقة عازلة على طول الحدود، ويؤكد أن موسكو لا تخطط لضم أراضٍ جديدة، خصوصًا في ظل عدم اكتمال سيطرتها على المناطق التي أعلنت ضمها رسميًا في دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون.
ويشير القليوبي إلى أن روسيا لا تزال تواجه تحديات لوجستية كبيرة، خاصة عند الضفة الأخرى لنهر دنيبر، ما يجعل التوسع العسكري في مناطق إضافية أمرًا غير وارد في المرحلة الحالية.
ويتفق الخبير في الشأن الروسي محمود الأفندي مع هذا الطرح، مؤكدًا أن الهدف المرحلي للعمليات في الشمال يتمثل في “بناء حزام أمني” على الحدود بين مقاطعتي كورسك وبريانسك الروسيتين ومقاطعة سومي الأوكرانية.
ويضيف أن الوصول إلى مدينة سومي نفسها قد يكون له بعد دفاعي بحت، بهدف منع تكرار أي اختراقات عسكرية أوكرانية، موضحًا أن موسكو لا تنوي إجراء استفتاءات في تلك المناطق، بعكس ما حدث في مناطق أخرى كخاركوف، التي تعتبرها روسيا أكثر قربًا لها من حيث التاريخ والجغرافيا.
ويرى الأفندي أن روسيا قد تنسحب من هذه المناطق لاحقًا، إذا ما أُبرم اتفاق سياسي أو في حال استسلام الجانب الأوكراني.
وفيما تتكثف الاتصالات الدولية في الكواليس بحثًا عن مخرج سياسي، يظل الغموض قائمًا بشأن ما إذا كان التحرك الروسي في الشمال مقدمة لتوسيع ميداني أوسع، أم مجرد ورقة ضغط قبل أي طاولة مفاوضات مرتقبة.
لكن الثابت حتى اللحظة، أن روسيا ترسم بخطى بطيئة حدودًا جديدة للصراع، وتضع أوكرانيا أمام واقع ميداني أشد تعقيدًا مع كل قرية تفقدها بصمت.

