في ظل تصاعد المخاوف من توسّع رقعة الحرب الروسية الأوكرانية، تتعامل بولندا مع فرضية الهجوم الروسي كاحتمال واقعي، لا مجرد سيناريو نظري. حكومة دونالد توسك تتجه إلى تحصين البلاد، ليس فقط عسكريًا، بل ثقافيًا أيضًا، حيث بدأت وزارة الثقافة إعداد خطة واسعة النطاق لإجلاء كنوز بولندا الفنية إلى خارج الحدود في حال نشوب صراع مسلح.
هذا التحرك يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في التفكير البولندي، من رد الفعل إلى الاستباق، ومن حماية الحدود إلى حماية الذاكرة الحضارية للأمة.
إجلاء التراث جزء من الأمن القومي
أكدت وزيرة الثقافة البولندية، هانا وروبليفسكا، في مقابلة مع فايننشال تايمز البريطانية، أن الأمن الثقافي أصبح أولوية وطنية.
وقالت إن نحو 160 مؤسسة ثقافية رسمية، تضم آلاف اللوحات والكتب النادرة والآلات الموسيقية، ستشملها خطة الإجلاء.
وأضافت الوزيرة أن المباحثات جارية مع حكومات أجنبية لاستضافة هذه الأعمال الفنية، في الوقت الذي تشارك فيه المتاحف الخاصة أيضًا في الخطة الاحترازية.
البلطيق يتبنى المنهج البولندي
قالت وروبليفسكا إن التجربة الأوكرانية بعد الهجوم الروسي في عام 2022 كانت محورًا مرجعيًا في صياغة الخطة، خاصة أن بولندا ساعدت في نقل بعض الأعمال الأوكرانية إلى أراضيها لحمايتها.
وأضافت: “لقد تعلّمنا من الأوكرانيين كيف تتعامل المؤسسات الثقافية مع حالة حرب فعلية“.
وخلال اجتماع غير رسمي لوزراء الثقافة الأوروبيين في وارسو، طرحت بولندا رؤيتها، ولاقت دعمًا من دول البلطيق التي تشاركها المخاوف الجيوسياسية نفسها.
من ضابط استخبارات إلى حامي التراث
يشرف على الخطة ماشي ماتيسياك، العقيد السابق في الجيش البولندي ونائب رئيس الاستخبارات العسكرية سابقًا.
ويقود ماتيسياك حاليًا قسم الأمن وإدارة الأزمات في وزارة الثقافة، ويعمل ضمن فريق مكوّن من 40 شخصًا لتأمين إجراءات الإخلاء والتوثيق.
واختيار شخصية بخلفية عسكرية ليس صدفة، بل يعكس رؤية وزيرة الثقافة بضرورة دمج الخبرات الأمنية مع العمل الثقافي في هذا الظرف الاستثنائي.
وإلى جانب نقل الأعمال الفنية، تشمل الخطة تحديث سجلات الجرد الخاصة بكل قطعة فنية، لضمان إمكانية المطالبة بها مستقبلًا.
وصرّحت الوزيرة: “نقل الأعمال لا يكفي، بل يجب أيضًا إجلاء دفاتر الجرد لضمان إثبات الملكية مستقبلًا“.
وهذا الإجراء يعكس وعيًا قانونيًا وحقوقيًا بأهمية حماية الهوية الثقافية من الضياع أو المصادرة في خضم الحروب.
استعادة ما نهبته الحرب العالمية
وبالتزامن مع التحضير لمخاطر الحاضر، تواصل بولندا جهودها لاستعادة ما سُرق من تراثها إبان الحرب العالمية الثانية، حين تعرضت للهجوم النازي ثم السوفيتي.
وقالت الوزيرة إن نحو 20 قطعة فنية تُسترد سنويًا من دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة، لكن “العدد المتبقي لا يزال كبيرًا“.
ومن أبرز النجاحات السابقة التي حققتها بولندا خلال الحرب، تمكّنها من إخفاء اللوحة الأسطورية “معركة غرونفالد” طوال فترة الاحتلال، رغم أن وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز عرض مكافآت مالية كبيرة لمن يُدلي بأي معلومة عن مكانها.
تحديد أولويات الإجلاء
أيّ الأعمال تُنقَذ أولًا؟.. كل متحف بولندي الآن مطالب بتحديد قائمة أولية بالأعمال الفنية التي تستحق “الإجلاء الفوري” في حال الطوارئ.
ورغم تعقيد المهمة، خاصة في بلد يضم نحو 1000 متحف، تؤكد الوزيرة أن الخيار ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية.
هكذا تتحول الثقافة في بولندا إلى أحد أعمدة الأمن القومي، وتصبح ريشة الفنان جبهة جديدة في معركة الدفاع عن الأمة.

