عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
لفت انتباهي مؤخرًا مصطلح دقيق الطرح وعميق الدلالة، ورد في إحدى قراءات “هارفارد بزنس ريفيو – النسخة العربية”، وهو مصطلح “الجهل التعددي” أو ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ Pluralistic Ignorance. هذا المصطلح يصف ظاهرة نفسية خفية لكنها شديدة التأثير في بيئات العمل والمؤسسات والمجتمعات. وتتلخص في أن الفرد يعتقد أن رأيه أو شعوره مخالف لآراء الآخرين، فيلجأ إلى الصمت، بينما الواقع أن الغالبية تشاركه الرأي نفسه، لكنها بدورها اختارت السكوت، ظنًّا منها أنها الأقلية. وهنا تكمن المفارقة: الجميع متفق ضمنًا، لكن لا أحد يتحدث، فتُبنى القرارات على أساس خاطئ تمامًا.
هذه الظاهرة تتكرّر كثيرًا في الاجتماعات الإدارية، وفي اللجان التنفيذية، بل حتى في النقاشات المجتمعية. يحدث أن تُطرح فكرة أو يُتخذ قرار غير مقنع لغالبية الحضور، لكن لا أحد يبادر بالاعتراض. كل شخص ينظر للآخرين ويتوهم أنهم موافقون، فيصمت بدوره. والنتيجة أن تستمر قرارات غير فعّالة، أو يتم تمرير سياسات لا تؤمن بها الأغلبية، وكل ذلك تحت ستار زائف من “الإجماع”. هذا النمط الصامت من التواطؤ غير المقصود قد يؤدي إلى مشكلات استراتيجية، ويغذّي ممارسات إدارية سلبية يصعب تصحيحها لاحقًا.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما نراه حين يستمر مدير غير كفء في منصبه، ليس لأنه محمي أو قوي النفوذ، بل لأن كل موظف يعتقد أنه الوحيد الذي يرى ضعفه، فيفضّل السكوت على المجازفة. أو حين يُعتمد مشروع باهظ التكاليف رغم تحفظات داخلية كثيرة، لكن الخوف من مخالفة الجماعة أو تحدي رأي المسؤول يمنع التعبير عنها. وهكذا تتراكم القرارات، وتتشكل ثقافة مؤسسية جامدة، تقوم على الوهم أكثر من الحقيقة.
الجهل التعددي لا ينبع من الجبن، ولا من ضعف الشخصية، بل غالبًا من الرغبة في الانسجام والانتماء. الإنسان بطبيعته يميل إلى الجماعة، ويخشى أن يكون المختلف الوحيد. لكن هذه الغريزة الاجتماعية، إن لم يُدار تأثيرها بوعي، قد تتحول إلى عبء يعيق المؤسسات عن التصحيح والتجديد والتطور. فحين يخاف الناس من التعبير، تصبح الجماعة سجينة لصمتها، وتضيع الحقائق تحت سطح التظاهر بالموافقة.
ما قرأته في هارفارد بزنس ريفيو لم يكن مجرد نظرية، بل لامس مواقف عايشناها، وربما كنا جزءًا منها دون أن ندرك. والأسوأ أن استمرار هذا النمط من “السكوت الجماعي” قد يفضي إلى فقدان الثقة داخل المؤسسة، إذ يشعر الموظفون أن صوتهم لا قيمة له، وأن التعبير عن الرأي لن يغيّر شيئًا. ومع الوقت، تنكمش روح المبادرة، ويتفشّى ما يُعرف بثقافة “اللامبالاة”، والتي تُعد من أخطر التحديات في بيئات العمل.
من هنا، فإن كسر دائرة الجهل التعددي يتطلب أولًا الاعتراف به، ثم العمل على خلق بيئة آمنة نفسيًا، تشجّع على التعبير عن الرأي دون خوف من التبعات. كما ينبغي على القادة والإدارات أن يُظهروا ترحيبهم بالاختلاف، ويُفسحوا المجال للأسئلة، ويُشجعوا النقد البناء. فالقائد الناجح لا يبحث عن التصفيق، بل عن الحقيقة، حتى وإن جاءت من صوت مخالف في الصف الأخير.
إن ما يعنينا في هذه المرحلة هو إعادة تعريف “الصمت” في بيئاتنا. فليس كل سكوت رضا، وليس كل اتفاق حقيقي. علينا أن نُعيد الاعتبار لأصوات الأفراد، وأن ندرك أن الكلمة الواعية قد تنقذ مؤسسة من فشل، أو تصحح مسارًا خاطئًا، أو تُعيد الثقة لفريق عمل متردد. وليس بالضرورة أن نكون الأكثر صوتًا، لكن أن نكون الأكثر وعيًا بأن الرأي الذي نكتمه اليوم، قد يكون هو نفسه الرأي الذي ينتظره الجميع غدًا.
إن بناء ثقافة مؤسسية صحية يبدأ من منح الناس مساحة آمنة للتعبير، ومن تدريبهم على تجاوز حاجز الصمت الجماعي. فالمنظمات التي تسمح بالرأي الآخر، وتستمع لموظفيها دون أحكام مسبقة، هي المنظمات التي تقود التغيير، لا تلك التي تكتفي بتكرار “هل من معترض؟” وسط قاعة كلها تردد: “لا.. كل شيء على ما يرام”، بينما في الواقع، لا شيء كذلك.

