خاص – الوئام
تنعقد قمة البريكس 2025 في البرازيل وسط تطورات سياسية واقتصادية متسارعة، في وقت يُفترض أن يكرّس هذا التحالف، الذي بات يضم 10 أعضاء، موقعه كمنصة عالمية للجنوب العالمي الساعي إلى نظام دولي أكثر توازنًا. غير أن غياب رئيسين محوريين، الزعيم الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ، يفرض واقعًا مختلفًا، ويعيد طرح تساؤلات أساسية حول متانة هذا التكتل، وتماسكه الداخلي، وقدرته على تجاوز التحديات.
غياب بوتين
وفق ما نشرت وكالة أنباء “رويترز”، فقد أعلن الكرملين في تصريح لافت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يشارك في قمة البريكس المقررة في البرازيل، بسبب مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2023، بتهمة ترحيل أطفال أوكرانيين خلال الحرب. وعلى الرغم من أن روسيا لا تعترف بولاية المحكمة، فإن سفر بوتين إلى دولة موقّعة على ميثاق روما يُشكّل مخاطرة قانونية ودبلوماسية.
في هذا السياق، سيكتفي بوتين بالمشاركة عبر الفيديو، بينما يتولى وزير الخارجية سيرغي لافروف تمثيل روسيا حضورًا في القمة. وقد أشار مستشار السياسة الخارجية في الكرملين، يوري أوشاكوف، إلى أن الحكومة البرازيلية لم تتمكن من توفير ضمانات تُمكّن بوتين من الحضور الفعلي، ما يعكس الحرج القانوني والسياسي الذي يفرضه هذا الوضع.
الغياب الأول لشي جين بينغ
في سابقة هي الأولى منذ توليه الحكم عام 2013، قرر الرئيس الصيني شي جين بينغ عدم حضور قمة البريكس في البرازيل. ووفقًا لتقارير من صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”، سيحل محله رئيس الوزراء لي تشيانغ، ما أثار استغراب البرازيل التي كانت تتوقع مشاركة شخصية من شي، خاصة بعد زيارات متبادلة خلال العام المنصرم.
عدم حضور شي يفتح باب التأويلات، خصوصًا في ظل عدم انضمام البرازيل حتى الآن إلى مبادرة “الحزام والطريق”، المشروع الجيوسياسي الأساسي للرئيس الصيني. ويُعتقد أن امتناع البرازيل عن تبني المبادرة، أسوة بالهند، قد ترك أثرًا سلبيًا في علاقات بكين مع برازيليا، رغم تبادل اللقاءات الرسمية الأخيرة.
توازنات جديدة
مع غياب أكبر قوتين داخل البريكس، روسيا والصين، يتجه التركيز إلى أدوار كل من الهند والبرازيل، العضوين الأكثر حضورًا سياسيًا واقتصاديًا في القمة. ويُتوقع أن يلعب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي دورًا محوريًا في القمة، إلى جانب الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، الذي يسعى لتأكيد دور بلاده القيادي في إدارة الدورة الحالية.
هذا التحوّل في موازين القيادة داخل البريكس قد يمنح فرصة للدول الأخرى الأعضاء للتعبير عن مواقفها بشكل أكثر استقلالية، بعيدًا عن النفوذ الثنائي الروسي-الصيني الذي لطالما هيمن على توجهات التكتل.
جدوى القمة
رغم أن القمة تُعقد في ظروف حساسة وتشهد غياب أبرز القادة، إلا أنها تظل منصة ضرورية لتنسيق مواقف الدول الأعضاء حول الملفات الدولية، خصوصًا في مجالات التجارة، والمناخ، وأمن الغذاء. لكن رمزية هذه القمة ستبقى منقوصة، خاصة وأن حضور الزعماء الكبار كان جزءًا من إظهار التكتل كقوة سياسية موحدة في مواجهة الغرب والمؤسسات التقليدية.
في غياب بوتين وشي، تخسر القمة الكثير من زخمها الإعلامي والدبلوماسي، وقد تجد البرازيل نفسها في موقع الدفاع أمام الأسئلة حول قدرة البريكس على العمل كتحالف مؤثر لا يعتمد فقط على الرموز السياسية الكبرى.
الرسائل المتبادلة
يبدو الموقف الصيني من القمة كرسالة سياسية غير مباشرة إلى البرازيل. فبينما تشير بكين إلى “ازدحام جدول الأعمال” كمبرر للغياب، فإن الانزعاج من رفض البرازيل الانضمام إلى “الحزام والطريق” يعكس توترًا خفيًا في العلاقات الثنائية. بالمقابل، تشعر البرازيل بخيبة أمل، خاصة بعد زيارة لولا لبكين في مايو الماضي في إطار تعزيز العلاقات الثنائية.
غياب شي لا يعني بالضرورة فتورًا استراتيجيًا، لكنه مؤشر على أن الصين تريد إعادة تعريف أولوياتها ضمن البريكس، خاصة في ظل تنامي مخاوف بعض الأعضاء من نفوذها المفرط داخل التحالف.
لحظة حرجة
تواجه قمة البريكس 2025 اختبارًا صعبًا، بين طموحات توسعية تُظهر التحالف كمحور للجنوب العالمي، ووقائع سياسية تكشف عن انقسامات داخلية وتوترات خفية.
وغياب بوتين وشي ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل دلالة على التحولات الجارية في قيادة البريكس. فإما أن تنجح المجموعة في إثبات قدرتها على الاستمرار بعيدًا عن الزعامات الفردية، أو تنكشف محدوديتها كتحالف يتغذى على الرمز أكثر من الهيكل.

