خاص ـ الوئام
في سباق انتخابي يشهد احتدامًا غير مسبوق داخل الحزب الديمقراطي في نيويورك، لا تقتصر المعركة على البرامج والسياسات، بل تمتد إلى الماضي الشخصي والهوياتي للمرشحين.
ففي لحظة سياسية مشحونة، عاد ملف قديم يعود إلى سن المراهقة ليُطارد زهران ممداني، النائب التقدمي الطامح لقيادة المدينة، بعد الكشف عن معلومات من استمارة جامعية أثارت تساؤلات حول طريقة تعامله مع هويته العرقية. وبينما يصفه أنصاره بأنه ضحية لحملة ممنهجة تستهدف صعود اليسار، يرى خصومه أن ما كُشف يعكس إشكالية أعمق في سرديته السياسية.
وثائق قديمة تثير عاصفة
وفق ما نشرته مجلة “نيوزويك” الأمريكية الجمعة 4 يوليو 2025، فإنه في خضم التحضيرات الساخنة لانتخابات عمدة مدينة نيويورك لعام 2025، ووسط سباق انتخابي مشحون بين التيارات التقدمية والمعتدلة، وجد المرشح الديمقراطي زهران ممداني نفسه في قلب جدل سياسي وإعلامي.
وذلك بعد تسريب وثائق قديمة تتعلق بطلب تقدمه عام 2009 للالتحاق بجامعة كولومبيا، تشير إلى أنه حدد عِرقه في الاستمارة على أنه “أسود أو من أصول أفريقية”، رغم كونه من أصول هندية وُلد في أوغندا.
الهوية والتمثيل
زهران ممداني، البالغ من العمر 33 عامًا، وُلد في أوغندا لأبوين من أصل هندي، وانتقل للعيش في نيويورك في سن السابعة، قبل أن يصبح مواطنًا أمريكيًا في عام 2018. ويشغل حاليًا مقعدًا في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك، ويمثل أحد الأصوات البارزة في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي.
وجاءت إعادة تداول تفاصيل طلبه الجامعي القديم في لحظة سياسية حرجة، وأثارت تساؤلات حول طريقة تعامله مع مسألة الهوية العرقية، وخصوصًا في مدينة تتسم بحساسية كبيرة تجاه قضايا العرق والتمثيل، وتحديدًا بين الناخبين السود.
رد ممداني
في تعليقه على الجدل، قال ممداني إن تحديده لتلك الخانة في استمارة كولومبيا لم يكن بدافع الانتحال أو السعي لامتيازات، بل محاولة لتمثيل خلفيته المعقدة في ظل خيارات محدودة داخل النماذج الأكاديمية. وأوضح أنه كتب بخط اليد كلمة “أوغندي” في خانة إضافية، ليعبّر عن حقيقة كونه وُلد ونشأ في بلد أفريقي، رغم أن جذوره العرقية ترجع إلى الهند.

وأضاف: “لم تكن هناك خانة تُعبّر بدقة عن كوني هنديًا أوغنديًا، لذا حاولت استخدام الخيارات المتاحة لتقديم صورة أكثر صدقًا عن هويتي”.
اتهامات بالتضليل
رغم توضيحات ممداني، لم تهدأ الانتقادات. خصومه السياسيون اعتبروا أن اختياره لتلك الخانة كان محاولة متعمدة للاستفادة من سياسات التمييز الإيجابي، بل ذهب البعض إلى وصف الأمر بـ”الاحتيال الأكاديمي”. وعلّق عدد من النشطاء السياسيين بأن المرشح لا يمكنه تقديم نفسه كممثل لمجتمعات المهمّشين، في الوقت الذي اتّخذ فيه، بحسب وصفهم، “قرارات حسابية مبكرة تخدم مصالحه الشخصية”.
أحد الأصوات الليبرالية البارزة كتب على منصة “إكس”: “ما يحدث هنا هو تشويه سياسي لشاب اتخذ قرارًا في عمر 18 عامًا، في نموذج جامعي لم يكن يعترف بتعقيدات الهوية المختلطة”.
ضعف في دعم الناخبين السود
الجدل أعاد تسليط الضوء على نقطة ضعف حقيقية في حملة ممداني؛ ضعف الدعم من الناخبين السود. فبحسب استطلاعات حديثة، يحظى منافسه أندرو كومو بتأييد يتجاوز 50% من هذه القاعدة، بينما يتراجع ممداني إلى أقل من 30%. ويُنظر إلى هذه الفجوة باعتبارها تحديًا كبيرًا أمام مرشح يروّج لنفسه كممثل لحركات العدالة الاجتماعية.
في الوقت نفسه، بدأت أصوات داخل التيار التقدمي تعبّر عن قلقها من تأثير هذه الأزمة على فرصهم في فرض رؤية بديلة في إدارة مدينة نيويورك، وسط صعود منافسين مستقلين وتراجع الحماس الشعبي لموجة اليسار التي كانت بارزة قبل أعوام قليلة.
مستقبل نيويورك
السباق لا يقتصر على ممداني وكومو. العمدة الحالي إريك آدامز، الذي أعلن ترشحه كمستقل، يراهن على قاعدة ناخبيه التقليدية في الأحياء الأفريقية واللاتينية، وعلى رصيده الأمني والإداري في إدارة المدينة خلال فترة الأزمات.
كومو، من جانبه، لا يزال يدرس إمكانية خوض السباق كمستقل أو عبر حزب ثالث، مستفيدًا من حالة الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، ومن تاريخه التنفيذي كحاكم للولاية رغم سجله المثير للجدل.
أما ممداني، فيواجه الآن تحديًا مزدوجًا: استعادة الثقة وسط قاعدته التقدمية، وتوسيع حضوره في أوساط لم ينجح حتى الآن في اختراقها سياسيًا.

