الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
في واشنطن، المدينة التي لا تُقال فيها الحقائق إلا همسًا، يمكن للصمت أن يكون أبلغ من ألف تصريح. ذلك هو الحال اليوم بعد أن قدّمت مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، إحالة جنائية إلى وزارة العدل تتهم فيها رموزًا من عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما بالتورط في ما بات يُعرف إعلاميًا بـ”روسيا غيت”. هذه الخطوة، رغم خطورتها، قوبلت بصمت تام من الأسماء الواردة في الإحالة، ما يفتح الباب لأسئلة أكبر من مجرد تحقيق: هل آن أوان المحاسبة؟ أم أن الدولة العميقة تعرف كيف تُسدل الستار في اللحظة المناسبة؟
إحالة غير مسبوقة.. بأسماء ثقيلة
الإحالة التي تقدمت بها غابارد تتضمن أسماء بارزة: باراك أوباما، جون برينان، جيمس كومي، جيمس كلابر، سوزان رايس، لوريتا لينش، أندرو ماكيب، وجون كيري، من بين آخرين. مضمون الاتهام يتمحور حول ما تقول غابارد إنه “تآمر ممنهج” لاستخدام أجهزة الأمن والاستخبارات لإفشال حملة دونالد ترامب في 2016، ثم لتقويضه خلال رئاسته، عبر تسريبات، وتضخيم معلومات استخباراتية، واستغلال ملف ستيل المثير للجدل، رغم علمهم المسبق بضعف مصادره وعدم مصداقيته.
الملف الذي أحيل إلى وزارة العدل يستند إلى وثائق رفعت عنها السرية، تشير بحسب غابارد، إلى أن الحملة ضد ترامب لم تكن مبنية على مخاوف أمنية مشروعة، بل على اعتبارات سياسية، شُحنت إعلاميًا واستخدمت لتشكيل وعي عام معادٍ للرئيس الجمهوري.
في واشنطن.. لم يكن هذا سرًا
من عاش في واشنطن، أو عمل في مؤسساتها، يعرف أن ما بات اليوم موثقًا لم يكن مجهولًا. لعقود، دارت مثل هذه الأحاديث في مراكز الأبحاث، وأروقة الإعلام، والغرف المغلقة. الفارق أن تلك الروايات لم تكن تُقال علنًا، ولم يكن أحد يجرؤ على ربطها بأسماء بعينها في وثيقة رسمية.
اليوم، تغير ذلك. ما كان همسًا أصبح تصريحًا رسميًا، وما كان يُخشى توثيقه أصبح مستندًا قضائيًا. هذا التحول لا يتعلق فقط بالماضي، بل بمستقبل مبدأ المساءلة في الديمقراطية الأميركية، الذي ظل، لفترة طويلة، انتقائيًا في تطبيقه.
صمت المتهمين.. أداة تكتيكية أم مأزق سياسي؟
الأسماء التي وردت في الإحالة التزمت الصمت. لم يصدر عن أوباما أو برينان أو كومي أي تعليق. لا دفاع، لا نفي، لا توضيح. فقط صمت. هذا السلوك قد يُفهم في سياق قانوني—خاصة في قضايا ذات طابع أمني حساس—لكن في السياسة، الصمت أيضًا رسالة.
من يعرف طبيعة هذه الشخصيات يدرك أنها ليست غريبة عن الأزمات. فقد خضعت لتحقيقات، وظهرت في جلسات استماع، وتجاوزت اتهامات من اليمين واليسار على السواء. إلا أن حجم الوثائق هذه المرة، ومصدر الإحالة، وطبيعة التوقيت، كلها تجعل من الصعب التعامل معها كـ”عاصفة إعلامية مؤقتة”.
غابارد.. تحرك من خارج السرب
تحرك تولسي غابارد يحمل دلالات سياسية تتجاوز مضمون الإحالة. فهي لم تعد تمثل الحزب الديمقراطي، لكنها تحتل موقعًا سياديًا حساسًا، وتقود مؤسسة أمنية عريقة. اتخاذها هذه الخطوة في هذا التوقيت يعكس تحولًا في موقعها السياسي، ويكشف أيضًا عن قناعة متزايدة داخل مؤسسات الدولة بأن الصمت لم يعد خيارًا، وأن إعادة النظر في ممارسات الماضي بات ضرورة، لا مجرد انتقام سياسي.
هذا الموقف وضع إدارة الرئيس جو بايدن في زاوية حرجة. فتح الملف يعني إعادة تسليط الضوء على إرث أوباما، الذي يُعد أحد أعمدة شرعية بايدن السياسية. وغلقه دون تحقيق يُنظر إليه كحماية حزبية تضر بمبدأ الشفافية.
توازنات معقدة في عام انتخابي حساس
التفاعل مع هذه الإحالة لن يكون تقنيًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز. فالمدعي العام ميريك غارلاند، الذي يواجه انتقادات متكررة من الجمهوريين، سيكون عليه اتخاذ قرار بين فتح تحقيق قد يقلب المعادلات في عام انتخابي، أو تجميد الملف ما يعزز سردية التسييس والازدواجية في العدالة.
المفارقة أن الاتهام اليوم لم يعد فقط حول التدخل الروسي أو أخطاء استخباراتية، بل حول شرعية الثقة بالمؤسسات، وهل يُحاسب القوي حين يخطئ؟ أم أن نفوذه يوفّر له الحصانة حتى بعد خروجه من المنصب؟
الختام: لحظة اختبار لمفهوم العدالة في أمريكا
التاريخ الأميركي مليء بلحظات كانت فيها المؤسسات أمام خيارين: التصرف كأداة حزبية، أو الارتقاء فوق السياسة. كثيرًا ما فشلت في الاختبار. اليوم، تعود هذه اللحظة من جديد، لا بصيغة إعلامية، بل بوثيقة رسمية.
تولسي غابارد لم تطرح تساؤلًا جديدًا، بل وضعت تساؤلًا قديمًا في يد العدالة. فهل تتحرك؟ أم يبقى الصمت هو سيد الموقف؟

