خاص – الوئام
لم يعد قادة الأمن القومي في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة، يملكون رفاهية اختيار أولوياتهم. فالتحولات الجيوسياسية والتكنولوجية تفرض نفسها بقوة، مجبرة صناع القرار على التفاعل مع تطورات خارج سيطرتهم.
فخلال العقود الماضية أثبتت التجارب أن السياسة الخارجية كثيرًا ما تتشكل كرد فعل لأزمات متلاحقة. واليوم، يلوح في الأفق تحدٍّ جديد أكثر تعقيدًا، الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا احتمال ظهور الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، ما ينذر بتحول غير مسبوق في موازين القوة والسيادة والردع.
اضطرابات لا يمكن التنبؤ بها
شهدت إدارات أمريكية متعاقبة تغيّرات استراتيجية مفاجئة نتيجة أحداث طارئة، رغم إدراكها المسبق للعوامل البنيوية التي سبقتها. لكن حتى مع هذا الوعي، غالبًا ما فشلت في التخطيط لأسوأ السيناريوهات. واليوم، يبدو أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي يُعيد هذا النمط، ولكن بدرجة أعلى من التعقيد والتأثير.
وسط مؤشرات متسارعة على اقتراب تحول كبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف من أن يفرض هذا التطور نفسه على أجندة الأمن القومي كما فعلت أحداث أخرى تاريخيًا، مما يستوجب إعادة تشكيل الخطط والسياسات بسرعة لمواكبة التغيير.
السباق نحو AGI
تحوّلت القيادة العالمية في الذكاء الاصطناعي إلى أولوية استراتيجية لكل من الولايات المتحدة والصين. ومع تسارع الابتكارات التقنية، ظهرت نقاشات حول فقدان الوظائف، والتحديات الأخلاقية، وحتى خطر استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير أسلحة بيولوجية فتاكة.
ورغم عدم وجود تصور موحد أو إجماع حول ما يعنيه “الذكاء الاصطناعي العام” بالضبط، فإن النماذج الحالية تزداد قوة واستقلالية بشكل ملحوظ، ويبدو من المرجّح أن هذه القدرات ستنتشر وتتعمق في كل القطاعات خلال السنوات المقبلة.
الاختلاف عن العصر النووي
بعكس الحقبة النووية، لم تعد الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك التكنولوجيا الجديدة. ففي حين منحت التجارب النووية الأولى واشنطن عقودًا للتخطيط قبل بروز منافس، اليوم تتوزع القوة التقنية بين شركات خاصة عابرة للحدود، بينما تُعد الصين منافسًا تقنيًا شبه متكافئ.

في هذا السياق، لم يعد بإمكان قادة الأمن القومي تأجيل التخطيط لمواجهة سيناريوهات مستقبلية، بل يجب استثمار الوقت والموارد في التفكير المسبق بأحداث مفصلية، مثل إعلان شركة أمريكية أو صينية التوصل إلى AGI، وما يترتب على ذلك من تداعيات استراتيجية وأمنية.
تصاعد التعقيد القانوني والسياسي في زمن AGI
في حال أعلنت شركة أمريكية تطويرها للذكاء الاصطناعي العام AGI، قد يُنظر إليه كأصل استراتيجي يمس الأمن القومي، مما يفتح المجال لتدخل حكومي واسع النطاق يشمل الدعم المالي والحماية الأمنية وتسهيلات تنظيمية لضمان الحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي.
أما في حال تحقق هذا الإنجاز داخل الصين، فقد يُنظر إليه كتهديد وجودي للبنية التحتية الغربية، ما قد يدفع باتجاه تحركات استباقية أو تصعيدية ذات طابع دفاعي أو هجومي، مما يعمّق الاستقطاب الجيوسياسي ويزيد من تعقيد مشهد الأمن الدولي في عصر تقوده الخوارزميات.
حجر الأساس في زمن AGI
يتطلب الاستعداد لعصر AGI وجود قدرة تحليلية مستقلة وموثوقة داخل الحكومة الأمريكية، تُمكّنها من التحقق من صحة الادعاءات التقنية والتعامل مع سيناريوهات متضاربة. كما يجب موازنة المخاوف من تفوق صيني في AGI مع مخاطر أخرى محتملة، مثل استخدام التكنولوجيا من قبل جماعات غير دولية في تطوير أسلحة دمار شامل.
بالتالي، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة للتعاون مع بكين في ملفات معينة للحد من مخاطر الانتشار، رغم التنافس الاستراتيجي الحاد بين الطرفين، خصوصًا إذا كانت التهديدات المترتبة على AGI تمس الأمن العالمي ككل.
بناء شراكات مرنة
لكي تتعامل واشنطن بفعالية مع تحديات AGI، لا بد من شراكة ديناميكية مع القطاع الخاص، قادرة على التفاعل مع تسارع التطورات التكنولوجية. انعدام الثقة بين الدولة والشركات قد يُشلّ أي قدرة على الاستجابة للأزمات القادمة.
في الوقت نفسه، يتوجب تطوير سياسات واضحة لتبادل المعلومات الحساسة مع الحلفاء، بهدف بناء تحالف دولي قادر على التصدي للأخطار المترتبة على AGI، ومساءلة الجهات المسؤولة عن أي سلوك غير مسؤول أو مُهدِد.
بين الفرصة والكارثة
رغم غموض مستقبل AGI، إلا أن التعامل معه كمجرد خيال علمي أو إشكالية مؤجلة هو خطأ استراتيجي جسيم. فالمخاطر تتطلب تخطيطًا فوريًا، وتعاونًا دوليًا، وبنية مؤسسية متكاملة قادرة على التكيّف مع أكثر السيناريوهات تطرفًا.
فكما تحوّلت الحرب الباردة من أزمة إلى حالة دائمة، قد يصبح عصر AGI التحدي الأكبر أمام الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.

