إدريس حميد – الكاتب والباحث الليبي المتخصص في الشأن السياسي
في لحظة تاريخية مفصلية، وفي ظل واقع دموي وانسداد سياسي يهدد بتصفية القضية الفلسطينية، جاءت المبادرة السعودية بعقد مؤتمر دولي حول فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتعيد الاعتبار السياسي والدبلوماسي للقضية، وتفتح نافذة أمل أمام تحرك دولي جديد يُمكن أن يوقف آلة القتل الإسرائيلية، ويُعيد التأكيد على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.
ما يميز المبادرة السعودية ليس فقط توقيتها، بل أيضًا الزخم الدبلوماسي الذي رافقها، فقد جاءت بدعم مباشر من فرنسا، القوة الدائمة في مجلس الأمن الدولي، والتي أعربت عن نيتها الاعتراف بدولة فلسطين رسميًا في سبتمبر المقبل، وتوالى التأييد الأوروبي والدولي، حيث حضرت المؤتمر 125 دولة من أصل 193، مما يعكس تحولًا تدريجيًا في المزاج الدولي لصالح فلسطين.
الموقف البريطاني أيضًا كان لافتًا حيث بدأ يخرج عن صمته التقليدي، مهددًا إسرائيل بخيارات واضحة: إما وقف العدوان وإدخال المساعدات الإنسانية، والقبول بحل الدولتين، أو التوجه نحو الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، وهو ما يشير إلى تصاعد الضغوط الغربية على حكومة بنيامين نتنياهو، المنقسمة داخليًا، والواقعة تحت ضغط الشارع وأهالي المحتجزين الإسرائيليين في غزة.
وفي ظل هذا الواقع المتأزم في قطاع غزة، برز الدور المحوري للمملكة العربية السعودية، التي لم تكتف بإطلاق المبادرة الدولية حول فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل سعت كذلك إلى تنسيق المواقف مع كل من مصر والأردن، في خطوة تهدف إلى بلورة موقف عربي– إسلامي موحد، يشكل رافعة سياسية ودبلوماسية على الساحة الدولية.
ويعزز هذا التوجه التوافق المتزايد مع القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا، حيث تمثل المواقف الفرنسية والبريطانية الأخيرة، لا سيما تهديد لندن لإسرائيل بالاعتراف بدولة فلسطين في حال استمرار العدوان، وتوجه باريس للاعتراف الرسمي في سبتمبر المقبل دعمًا صريحًا للطرح العربي.
هذا التقاطع بين الزخم العربي والميل الأوروبي الجديد يشكل فرصة لإعادة صياغة ميزان القوى في مواجهة تعنت الكيان الصهيوني، ويفتح الباب لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمهيدًا لإنهاء أطول احتلال في التاريخ الحديث.
من هنا، يمكن البناء على المبادرة السعودية لتشكيل موقف عربي إسلامي أكثر تماسكًا ووضوحًا، يرتكز على دعم مصري– أردني مباشر، ويؤسس لتحالف دبلوماسي واسع يربك الحسابات الإسرائيلية، ويقود نحو مرحلة اعتراف دولي جماعي بدولة فلسطين داخل أروقة الأمم المتحدة.

