خاص – الوئام
قبل سنوات، كان الحصول على وظيفة بعد التخرج من الجامعة يُعد خطوة مضمونة نحو الاستقرار. اليوم، يواجه خريجو الجامعات عالمًا جديدًا، تسوده الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وتضيق فيه الفرص أمام المبتدئين.
ولم تعد الشركات تسعى إلى تدريب وتطوير المواهب الشابة كما كانت تفعل، بل أصبحت تستعيض عنهم بأنظمة ذكية تؤدي المهام بشكل أسرع وأرخص. في هذا المشهد المتغير، يبرز تساؤل جوهري: ماذا تبقّى للخريجين الجدد في سوق العمل؟
الذكاء الاصطناعي يُغلق أبواب الدخول
وفق ما نشرت صحيفة وول ستريت جرونال الأمريكيةـ ففي شركات عديدة، بدأ الاستغناء عن توظيف الخريجين الجدد ليحل محلهم الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال شركة “Hirewell” للتوظيف بشيكاغو، لم تعد وكالات التسويق تطلب موظفين مبتدئين، إذ بات بإمكان أدوات الذكاء الاصطناعي تنفيذ المهام التسويقية بكفاءة. في تطبيق “Grindr”، وقد تم تقليص التوظيف للمهندسين الجدد لصالح أصحاب الخبرة، بينما أكد الرئيس التنفيذي للشركة أن الحاجة للموظفين المبتدئين تتناقص بشكل مستمر.
حتى على مستوى التدريب الصيفي، قررت شركات مثل “Futurety” الاستغناء عن توظيف المتدربين واستبدالهم بأدوات مثل شات جي بي تي لإنتاج المحتوى. ويُنصح الشباب اليوم بتعلّم مهارات لا يمكن أتمتتها بسهولة، مثل العمل الأمني أو المجالات التي تتطلب تفاعلاً إنسانيًا مباشرًا.
انهيار العقد غير المكتوب بين الخريج والشركة
لطالما وُجد تفاهم ضمني بين الشركات والخريجين حيث يعمل الشباب بجهد مقابل راتب منخفض، وتحصل الشركات على طاقة جديدة وتزرع قادة المستقبل. إلا أن التباطؤ في التوظيف وتزايد القلق من الركود الاقتصادي، بالإضافة إلى تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي، أطاحت بهذا التفاهم القديم.
توضح بيانات معهد “Burning Glass” أن نسبة خريجي الجامعات الذين يحصلون على وظائف تتطلب شهاداتهم قد تراجعت بشكل ملحوظ منذ عام 2020، ويشمل ذلك تخصصات متنوعة من الفنون إلى الهندسة. الأسوأ أن نسبة البطالة في صفوف خريجي الجامعات الجدد تجاوزت 6.6% في العام الماضي، مقارنةً بمعدل وطني يقارب 4%.
شركات تقنية تُقلّص من فرص الدخول
في كبرى شركات التكنولوجيا، تراجعت نسبة التوظيف للمبتدئين بمعدل 50% منذ 2019، وفقًا لتقرير من شركة “SignalFire”. عام 2024، شكّل الخريجون الجدد 7% فقط من التعيينات الجديدة، مقارنة بـ11% في عام 2022. في ظل تراجع البرامج التدريبية وتصاعد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، باتت الحاجة للموظفين المبتدئين في أدنى مستوياتها.

كما يواجه الطلاب مثل خريج تخصص المعلوماتية، صعوبات غير مسبوقة في الدخول إلى سوق العمل.
شركات تحاول التكيف
بعض الشركات لا تزال تحاول الحفاظ على قيمة التعلم لدى الخريجين الجدد. في شركة “Williams” الأمريكية، لاحظ المسؤولون أن الذكاء الاصطناعي خفّض من المهام التحليلية التي كان يؤديها المبتدئون لتعلّم أساسيات العمل. فبدأت الشركة برنامجًا جديدًا لتدريب الموظفين الجدد عبر جلسات مباشرة مع التنفيذيين الكبار، لتجاوز هذا الفراغ.
في شركة “Carlyle”، تم تحويل المهام التحليلية التقليدية إلى أدوات ذكاء اصطناعي، ولكن يتم تدريب الخريجين على تقييم النتائج والتفكير النقدي، من خلال ما يسمى بـ”جامعة الذكاء الاصطناعي” داخل الشركة.
مستقبل هش ومسارات بديلة
يرى خبراء في رأس المال الاستثماري أن المرحلة الحالية انتقالية ومربكة، حيث تتغير المهارات المطلوبة في السوق بوتيرة سريعة، دون أن تتكيف الجامعات والبرامج التعليمية بالسرعة نفسها. الوظائف التي كانت تؤدى من قبل متدربين ومساعدين أصبحت تُنجز تلقائيًا، ما يدفع الشركات لإعادة تقييم كل وظيفة جديدة.
في المقابل، يرى البعض فرصة لإعادة ابتكار المسار المهني. إذ لم يعد المسار التقليدي من التدريب إلى التوظيف إلى التدرّج هو الطريق الوحيد. يُطلب من الخريجين اليوم أن يكونوا أكثر مرونة، وأن يبادروا إلى تعلم المهارات الجديدة بأنفسهم، وأن يقتحموا مجالات قد لا تكون موجودة قبل عامين.

