د. تركي العيّار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
مع انطلاقة العام الدراسي الجديد تتجدّد أحلام الطلبة والطالبات في مراحل التعليم العام والجامعي والعالي، ويعلو لديهم الحماس والشغف لنهل العلم وتحقيق نتائج إيجابية مرضية. وهذا هاجسٌ نبيل يشاركهم فيه أولياء الأمور والمعلّمون وصنّاع السياسات التعليمية. غير أنّ الحقائق التربوية الرصينة تؤكّد أن النجاح لا يُنال بالتمنّي، بل بالجدّ المتواصل والعمل المنظّم؛ مصداقًا لبيت الشاعر: وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي … ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا. ومن ثمّ فالتفوّق المنشود يتطلّب خطة عمل ممنهجة من البداية إلى النهاية، تقوم على الانضباط، وتنظيم الوقت، وتبنّي استراتيجيات تعلّم فعّالة، وإدارة صحّية للنوم والروتين اليومي، والحدّ من الملهيات غير الضرورية.
أولًا: الانضباط في الحضور والمشاركة ليس مجرّد “انطباع حسن”، بل متغيّر أكاديمي جوهري. فقد خلص تحليلٌ تجميعيٌّ شهير لِـ(كرِديه وآخرين، 2010) إلى أنّ الارتباط بين المواظبة والدرجات النهائية قويٌّ نسبيًّا (حجم ارتباط يقارب 0.40)، أي أنّ الطلبة الذين يحافظون على الحضور المنتظم يحققون أداءً أعلى بصورة ملموسة مقارنةً بغيرهم. كما تُعرِّف كثيرٌ من الأنظمة التعليمية الغياب “المزمن” بأنه تجاوز 10% من أيام الدراسة، وهو نمط يرتبط بانخفاض التحصيل واحتمالات التخرّج. لذا فإن قاعدة “لا تغيب إلا لظرفٍ قاهر” ليست شعارًا إنشائيًا، بل سياسة مبنية على دليل.
ثانيًا: مراجعة الدروس أوّلًا بأوّل باستخدام استراتيجيات مُثبتة علميًا. فبدلًا من الاكتفاء بإعادة القراءة السطحية قبيل الاختبارات، توصي أدلّة رصينة باتباع “الاختبار الذاتي” و”التدرّب الاستعادي” و”التعلّم المتباعد”. تقرير “الأساليب الفعّالة للتعلّم” (دنلوسكي وآخرون، 2013) صنّف الاختبار الذاتي والممارسة المتباعدة ضمن أعلى الأساليب فاعلية لتحسين التذكّر طويل المدى ونقل المعرفة إلى مسائل جديدة. وتُظهر مراجعةٌ تحليلية واسعة (سِبِيدا وآخرون، 2006) أنّ توزيع الدراسة على جلساتٍ أقصر ومتباعدة زمنياً يتفوّق بوضوح على “حِصص الماراثون” عشية الاختبار، مع مكاسب ثابتة عبر أعمار ومواد ومواقف تعليمية مختلفة. عمليًا: 20–30 دقيقة مراجعة نشطة كل يومين أو ثلاثة، تتخلّلها أسئلة قصيرة من إعداد الطالب، تفوق ساعاتٍ طويلة من المذاكرة المتواصلة في الليلة السابقة.
ثالثًا: تنظيم النوم والروتين اليومي شرطٌ معرفيّ وليس رفاهية. توصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم بأن ينام المراهقون 8–10 ساعات كل ليلة، وطلاب الجامعة والبالغون 7–9 ساعات. وقد أظهرت مراجعاتٌ علمية (كورشيو وآخرون، 2006؛ هيرشنر وشيرڤن، 2014) أن نقص النوم يرتبط مباشرةً بضعف الانتباه والذاكرة العاملة وانخفاض الدرجات، وأن النُعاس النهاري شائعٌ بين طلاب الجامعة ويؤثّر في المشاركة الصفّية واتخاذ القرار. إعادة ضبط ساعة النوم قبل أسبوعين على الأقل من بدء الدراسة، والالتزام بمواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ، وتجنّب الشاشات قبل النوم بساعة، جميعها ممارسات ذات عائدٍ تعليميٍّ ملموس.
رابعًا: تقليل “الطلعات” والزيارات غير الضرورية وإدارة الملهيات الرقمية. يبيّن أدبٌ بحثي متّسق أن تعدّد المهام أثناء التعلّم (Multi-tasking) يضعف تركيز المعلومات واسترجاعها ويقلّل من جودة الفهم. وعليه، فجدولة وقتٍ اجتماعيٍّ رشيد بعد إنجاز مهام اليوم، وإغلاق الإشعارات أثناء المذاكرة، واستخدام تقنيات مثل “بومودورو” (25 دقيقة تركيز + 5 دقائق استراحة) يساعد على رفع جودة التعلّم وتقليل الإجهاد.
خامسًا: التخطيط الممنهج منذ اليوم الأوّل. الخطة الفاعلة بسيطة وعميقة في آنٍ معًا:
تحديد أهداف فصلية واقعية “محدَّدة وقابلة للقياس ومحدّدة زمنًا”.
بناء جدول أسبوعي ثابت يشمل محاضرات اليوم، وساعة مراجعة مباشرة بعد كل محاضرة، وجلسات متباعدة للمادة نفسها لاحقًا في الأسبوع.
تحويل كل محاضرة إلى بطاقات أسئلة (Flashcards) وأمثلة محلولة قصيرة.
متابعة التقدّم شهريًا بمؤشرات واضحة (نِسَب حضور، عدد جلسات مراجعة، عدد مسائل محلولة)، مع تصحيح المسار عند التعثّر.
طلب المساندة الأكاديمية مبكرًا (ساعات مكتبية، زملاء دراسة، مراكز مهارات)، بدل الانتظار إلى ما قبل الاختبارات.
سادسًا: الإرادة والعزيمة والإصرار هي الوقود الذي يحرك هذه المنهجية. غير أنّ الإرادة وحدها لا تكفي من دون نظامٍ يُسَهِّل الانضباط ويُقلّل من مقاومة النفس. لذلك يُنصَح بـ“تصميم البيئة”: حقيبة جاهزة لليوم التالي، مكان مذاكرة ثابت خالٍ من المُشتّتات، جدول مُعلّق واضح، ومكافآت صغيرة بعد إنجاز كل مهمّة. أمّا لطلبة التعليم العام، فلدور الأسرة قيمةٌ مُضاعِفة: ضبط مواعيد النوم والأجهزة، متابعة الواجبات، والتواصل المبكر مع المدرسة عند ظهور مؤشّرات تراجع.
إنّ رسالتي لكل طالبٍ وطالبة مع هذا الموسم الجديد: اجعلوا من حماس البداية خطةً عمليةً قابلةً للقياس، ومن الأماني عملاً دؤوبًا متواصلًا، ومن الشغف التزامًا يوميًا صغيرًا يتراكم أثره الكبير. التوفيق حليف من يجمع الانضباط مع المنهجية والنَّفَس الطويل؛ و“لن تُفتح أبواب النتائج المشرِّفة إلّا لمن طرقها كلَّ يومٍ بجهدٍ صادق”. أسأل الله لكم جميعًا عامًا دراسيًا عامرًا بالنجاح والطمأنينة والإنجاز. وكل عام دراسي وأنتم بخير.

