كتب: فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
دقّت السعودية مجددًا ناقوس الخطر لما يجري من عمليات قمع وإبادة وتجويع ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من قبل الكيان الصهيوني، في انتهاك صارخ وغير مسبوق للقانون الدولي وضرب فاضح للأعراف الدولية.
وجدد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، موقف المملكة خلال كلمته التي ألقاها في الدورة الاستثنائية الـ21 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، المنعقدة في جدة، لبحث تداعيات العدوان الإسرائيلي المتواصل على الفلسطينيين، مؤكدًا أن جرائم الاحتلال الإسرائيلي أدت إلى تفاقم المأساة الإنسانية، وقوضت فرص السلام والأمن في المنطقة والعالم.
موقف سعودي واضح
وعندما تدق السعودية ناقوس الخطر لما يجري من تجويع متعمد في قطاع غزة، فإن ذلك يُجسّد موقفًا سعوديًا واضحًا وجليًا في وجه الصمت الدولي حيال الكارثة الإنسانية في غزة. فالمملكة، من خلال خطابها الرسمي ومواقفها في المحافل الدولية، ترفض سياسة التمييع السياسي والتغاضي عن جرائم الإبادة والتجويع التي تُمارَس بحق المدنيين الأبرياء.
انشغال القوى الكبرى
وتأتي هذه الرسالة عبر المنظومة الإسلامية في وقت حرج، حيث تتعاظم الكارثة في ظل انشغال بعض القوى العظمى بحسابات النفوذ والمصالح، بينما تدفع الشعوب ثمن الفشل الدولي. وتؤكد السعودية عبر هذا الموقف أن الحياد في مثل هذه القضايا ليس خيارًا أخلاقيًا، وأن العالم بحاجة إلى مواقف حازمة تنقذ أرواح الأبرياء وتعيد الاعتبار للعدالة الدولية.
تقويض فرص السلام
لقد وضعت المملكة العالم أمام مسؤولياته عندما أوضح سمو وزير الخارجية، فيصل بن فرحان، أن الصمت الدولي إزاء جرائم الاحتلال الإسرائيلي يفاقم المأساة الإنسانية، ويقوض فرص السلام والأمن في المنطقة والعالم، حاثًّا في ذات الوقت المجتمع الدولي على ضرورة إنهاء جرائم الاحتلال، ومنع إسرائيل من المضي في سياساتها العدوانية بما فيها محاولات احتلال مدينة غزة، وفرض المشاريع الاستيطانية. فالانتهاكات المستمرة تعرقل أي مسار للسلام، كما تشعل مزيدًا من الاضطرابات إقليميًا ودوليًا.
ثبات الموقف السعودي
لقد ظل موقف السعودية ثابتًا على الدوام تجاه القضية الفلسطينية، داعمًا بشكل كامل للحق الفلسطيني المشروع في إقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فضلًا عن أهمية المضي قدمًا في تنفيذ حل الدولتين باعتباره الخيار العادل والوحيد لتحقيق الاستقرار.
التردد والتقاعس تعزيز للجلاد
وتأتي دعوة السعودية للدول التي ما زالت مترددة في إدانة الممارسات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني إلى مراجعة مواقفها، كرأي شفاف، كون التردد وعدم الحديث في هذا التوقيت يعكس دعمًا للجلاد. مثمّنة في ذات الوقت مواقف الدول التي قررت الاعتراف بالدولة الفلسطينية في تزايد مستمر، وهو ما يعكس تنامي القناعة الدولية بعدالة القضية. ولم تنسَ السعودية أيضًا دعوة الدول إلى ضمان إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى سكان غزة دون عوائق.
موقف أخلاقي وسياسي
وفي ظل تصاعد الكوارث الإنسانية وبلوغ المعاناة في غزة مستويات كارثية، تتقدم المملكة العربية السعودية بموقف أخلاقي وسياسي صارم، رافضة التردد الدولي والتقاعس في وقف الجرائم ضد المدنيين، ومطالبة بضرورة التحرك الفوري لوقف الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج.
نهج سعودي ثابت
هذا الموقف ليس جديدًا، بل يأتي امتدادًا لنهج سعودي ثابت يُعلي من قيمة الإنسان ويضع القضايا الإنسانية في صلب العمل الدبلوماسي والسياسي. المملكة، ومن خلال بياناتها وتحركاتها في مجلس الأمن والقمم الإقليمية والدولية، ترفض تحويل المعاناة الإنسانية إلى أرقام في تقارير، وتدعو إلى تحرك جماعي دولي عاجل يعيد الاعتبار للعدالة والقانون الدولي.
لا لتسييس الأزمة
وتحمل رسالة المملكة أبعادًا متعددة، تتضمن تحميل المجتمع الدولي مسؤوليته أمام الشعوب، والتأكيد على أن ازدواجية المعايير في غزة وتسييس معاناة الشعب الفلسطيني يفاقمان الأزمات، والتذكير بأن صمت العالم ليس حيادًا، بل مشاركة ضمنية في الجريمة.
معادلة أخلاقية لا تحتمل التأجيل
السعودية تدق جرس الإنذار مبكرًا، وتطرح على طاولة العالم معادلة أخلاقية لا تحتمل التأجيل: إما الوقوف مع الإنسانية، أو الانحدار في وحل الصمت والتواطؤ. ويعكس الموقف السعودي التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا تجاه الشعب الفلسطيني، ويدعو إلى تحرك دولي عاجل لوقف الجرائم المرتكبة في غزة. إن استمرار الصمت الدولي يشكّل تهديدًا للأمن والسلم العالمي، ويشجع على تفاقم الأزمات الإنسانية.
مستقبل أطفال غزة
الغرب، الذي يُروّج لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، يقف اليوم أمام امتحان أخلاقي عسير. ونطرح السؤال: هل حياة الطفل في غزة أقل قيمة من نظيره في بروكسل أو نيويورك؟ بل إن ازدواجية المعايير بلغت ذروتها حين تُستخدم أدوات التنمية كسلاح، ويُعاقب شعبٌ بأكمله بقطع المساعدات أو تأخيرها، فقط لأنه جزء من معادلة جيوسياسية.
صورة كارثية في غزة
إن هذه الصورة الكارثية في غزة تستدعي إعادة التفكير في مفهوم الأمن الغذائي كحق أساسي غير قابل للتفاوض أو الاستخدام كأداة ضغط، كما تفرض على المنظومة الأممية – ومجلس الأمن تحديدًا – مسؤولية واضحة تتجاوز إصدار البيانات إلى تفعيل آليات حماية المدنيين وتجريم تجويعهم.
مصداقية العالم مهزوزة
وأخيرًا، فإن استمرار هذا الصمت الدولي يُهدد ليس فقط استقرار الدول المتضررة، بل يهز مصداقية النظام العالمي القائم على التفوق الأخلاقي المزعوم للغرب، ويغذّي بيئات اليأس التي تتحول بسهولة إلى بؤر للتطرف والنزاعات الممتدة.

