في أفلام الخيال العلمي، يتحول الأبطال إلى أطياف تعبر الجدران بسهولة، لكن في عالمنا الواقعي، محاولة تقليدهم لن تترك لك سوى أنف مصدوم ودهشة كبيرة. المفارقة المحيرة هي أن كل شيء حولنا، من أجسادنا إلى الجدران الإسمنتية، يتكون من ذرات هي في معظمها فراغ شاسع. فلماذا نشعر بهذا “الجدار” الصلب بدلًا من المرور عبره؟
الجواب، بحسب خبراء فيزياء تحدثوا لموقع “Live Science”، يكمن في قاعدتين كونيتين صارمتين تمنعان الفوضى على المستوى الذري.
القوة الأولى: دروع الطاقة الخفية
الفكرة الأولى بسيطة ويمكن تخيلها بسهولة. هل حاولت يومًا أن تدفع قطبين متشابهين من المغناطيس نحو بعضهما؟ ستشعر بقوة خفية تدفعهما بعيدًا. هذا هو ما يحدث تمامًا عندما تقترب ذرات يدك من ذرات الجدار.
كل ذرة محاطة بسحابة من الإلكترونات سالبة الشحنة. عندما تتقارب هذه السحب، تتنافر بشدة، تمامًا مثل أقطاب المغناطيس. ويؤكد الفيزيائي ستيفن رولستون من جامعة ماريلاند، أن ما تشعر به عندما “تلمس” الجدار ليس تلامسًا حقيقيًا، بل هو قوة الدفع الهائلة لهذه الدروع الإلكترونية التي ترفض السماح لبعضها البعض بالمرور.
القانون الثاني: قاعدة “المقاعد المحجوزة” الكونية
لكن ماذا لو كانت لدينا القوة الكافية لتجاوز دروع الطاقة هذه والضغط على الذرات أكثر؟ هنا يظهر “حارس الأمن” الثاني والأكثر صرامة في عالم الفيزياء: مبدأ استبعاد باولي.
يمكن تشبيه هذا المبدأ بقاعة سينما كونية، حيث لكل إلكترون “مقعد محجوز” وخاص به لا يمكن لأي إلكترون آخر أن يجلس فيه. لا يمكن لإلكترونين أن يتواجدا في نفس الحالة تمامًا وفي نفس المكان والزمان.
عندما تضغط يدك على الحائط، تحاول إلكترونات يدك أن تقتحم “مقاعد” محجوزة بالفعل من قبل إلكترونات الحائط. لكن هذا مستحيل وفقًا لقوانين الكون. النتيجة هي مقاومة هائلة وصلابة مطلقة، فالإلكترونات ببساطة ترفض التزحزح عن أماكنها المخصصة لها.
هل هناك فرصة للمرور؟
في عالم ميكانيكا الكم الغريب، الإجابة دائمًا “نعم، ولكن..”، حيث تتصرف الجسيمات كموجات أحيانًا. نظريًا، هناك احتمال ضئيل جدًا أن “تتسرب” موجة جسيماتك عبر الحاجز فيما يعرف بـ “النفق الكمومي”.
لكن هذا الاحتمال، كما يشرح طالب دكتوراه الفيزياء رحيم هاشماني من جامعة ويسكونسن-ماديسون، ضئيل لدرجة أنه لو حاولت حسابه، ستعطيك كل حاسبات العالم نتيجة “صفر”، مؤكدًا أنه “لن يحدث ولو مرة واحدة في عمر الكون كله”.
لذا، في المرة القادمة التي تستند فيها على جدار، تذكر أنك لا تلمسه حقًا. أنت تختبر رقصة كونية من التنافر الهائل، وتشهد على احترام مليارات الذرات لقاعدة “المقاعد المحجوزة” التي تحافظ على صلابة عالمنا.

