د. سعود النداح مستشار اجتماعي
عاشت الأجيال في مجتمعاتنا العربية تحت ظلال قيم متوارثة صاغت سلوكها ووجهت مسارها. التربية في الثمانينات كانت نظاماً صارماً تحكمه مفردات محددة، أبرزها “العيب” و”نظرة الناس” هاتان الكلمتان مثلتا سلطة اجتماعية تتجاوز في قوتها أحياناً سلطة القانون، فكان الفرد محكوماً بمعايير الخارج قبل أن يُتاح له التعرف على معاييره الذاتية. وبهذا وُلد جيل مشدود بين طموحاته الخاصة وواجباته المفروضة، جيل تعلم كيف يخفي ذاته ليحافظ على صورته.
ومع بداية التسعينات بدأت ملامح الانفتاح تظهر، فخفّت وطأة العيب والمنقود، غير أنها لم تختفي تماماً. وُجد جيل يعيش في منطقة وسطى، جيل ما زال يهاب سلطة المجتمع التقليدي لكنه يتطلّع في الوقت ذاته إلى فضاءات جديدة انفتحت عبر الإعلام والجامعة وتبدلات الحياة الحضرية. ولعل أبرز ما ميّز أبناء التسعينات هو هذا التوازن المرهق بين عالمين، فهم أكثر جرأة في طرح الأسئلة، لكنهم ما زالوا يحملون في داخلهم أثر التربية الأولى.
ثم جاء جيل الألفية ليواجه مشهداً مغايراً تماماً. تحولت السلطة الاجتماعية من سلطة العيب ونظرة الجيران إلى سلطة العالم الرقمي. لم يعد الشاب محكوماً بحدود الحي والعائلة، بل أصبح أسيراً لتوقعات جمهور افتراضي لا يُرى. تراجع حضور العيب التقليدي، لكن حلّ مكانه ضغط أشد حدّة يتمثل في هوس الصورة، وعدّاد الإعجابات، ومعايير القبول في الفضاء الرقمي. وهكذا انتقلنا من أسر التوقعات الاجتماعية المباشرة إلى أسر التوقعات الرقمية غير المرئية.
إن قراءة هذه المراحل تكشف أن كل جيل واجه شكلاً مختلفاً من القيود. جيل الثمانينات قُيّد بالتقاليد الصارمة، والتسعينات عاش بين التقليد والانفتاح، فيما وُلد جيل الألفية في فضاء مفتوح لكنه محكوم بضغوط من نوع جديد. وما يجمع الأجيال جميعاً أن الإنسان فيها ظل يبحث عن معادلة تتيح له أن يكون حر دون أن يُعاقب، وأن يحافظ على ذاته دون أن يفقد انتماءه.
الحقيقة أن التوقعات الاجتماعية ليست قدراً حتمياً، لكنها جزء من معادلة التوازن في حياة كل مجتمع. ومن يدرك طبيعة هذه التوقعات ويعرف كيف يتعامل معها بوعي، يكون أكثر قدرة على التحرر الداخلي، وأكثر استعداداً لأن يعيش ذاته بصدق بعيداً عن الخوف من العيب أو الارتهان إلى نظرات الناس. إن فهم جذور التوقعات التي كبلت أجيالنا هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها.

