فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
استعرضت الصين قوتها العسكرية الصاروخية، وطائراتها الفرطية، ودباباتها المتقدمة بامتياز في العرض العسكري في ميدان تيانانمن التاريخي، للترويج لنسختها الخاصة من التاريخ وتنسيقها مع نوع العالم الذي تريد خلقه اليوم ــ حيث تصبح القوة الرائدة التي أبهرت العالم باقتدار في العرض العسكري التاريخي المهيب الذي أُقيم في بكين، والذي لم يقتصر فقط على تقنيات تقليدية، بل تضمن عناصر تلامس الخيال العلمي، مثل مشاركة روبوتات قتالية إلى جانب الجنود، من بينها وحدات آلية تُعرف بـ”قطيع الذئاب الروبوتية”، التي ظهرت مؤخرًا في عروض عسكرية داخلية ولاقت اهتمامًا واسعًا.
“رسالة للكون الغربي”
وكانت رسالة بكين واضحة وجلية للكون الغربي، تجاوزت مجرد استعراض القوة العسكرية الضخمة المبهرة، كونها عززت استعدادها للتعامل مع الحروب المستقبلية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والأسلحة فائقة التكنولوجيا، والقوة السيبرانية، وسط حضور نادر من الرئيس بوتين والرئيس الكوري الشمالي كيم أون، و٢٥ زعيمًا عالميًا. حيث رسخ الزعيم الصيني شي جين بينغ استراتيجيته للتعاون بتعزيز عالم متعدد الأقطاب خلال عشر سنوات، في تحدٍّ واضح لهيمنة الغرب، وفي وقت توترت فيه العلاقة بين أميركا وعديد من دول العالم بسبب الحرب التجارية والرسوم وسياسة العقوبات.
“جيش على الطراز العالمي”
وباستعراض نوعية الأسلحة التي طرحتها، خصوصًا الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والمقاتلات، والدبابات الجديدة، فإن السقف الصيني لم يعد فقط لإذكاء الفخر الوطني وإظهار الثقل الدبلوماسي لبكين، بل أيضًا تأكيد المؤكد: أن الصين أصبحت قوة عظمى عالمية قادرة على تحقيق هدفها في بناء جيش عالمي الطراز للدفاع عن نفسها وفرض جاذبيتها على العالم.
“رسالة لتايوان والبحرية الأميركية”
وشملت الأسلحة التي استعرضتها الصين لأول مرة صواريخ فرط صوتية (هايبرسونيك) مضادة للسفن، والتي ربما تعيق محاولات البحرية الأميركية الدفاع عن تايوان، وطائرات مسيّرة مقاتلة قد تمكن الجيش الصيني من التنقل بشكل أفضل في التضاريس الجبلية التايوانية، ما يوضح رغبة القادة الصينيين في استعراض القوة وإبراز قوة جيشهم في وقت تسعى بكين إلى زيادة نفوذها الدولي. فضلاً عن مشاركة أكثر من 10 آلاف جندي، وعرض 45 تشكيلًا عسكريًا تمثل فروع القوات التقليدية والجديدة، وقدمت الصين للمرة الأولى قواتها الاستراتيجية البرية والبحرية والجوية على شكل ثالوث نووي.
“صواريخ جينجلي-1 وجولانغ-3 الباليستية”
كما عرضت الصين لأول مرة صواريخ “جينجلي-1” الجوية، وصواريخ “جولانغ-3” الباليستية التي تُطلق من الغواصات، وصواريخ “دونغ فنغ-61” البرية العابرة للقارات، وصواريخ “دونغ فنغ-31” البرية، جميعها في عرض واحد. إلى جانب “مشْية الوزّة” وهي طريقة سير عسكرية مميزة يتقنها جنود جيش التحرير الشعبي في الصين، حيث يرفعون أرجلهم بشكل مستقيم إلى الأعلى مع فرد الساق ثم يهبطون بها بقوة. تهدف هذه المشية إلى إظهار الانضباط والقوة، وتُستخدم في الاستعراضات العسكرية الكبرى.
“إطلاق آلاف حمامات السلام”
وجاءت رمزية إطلاق 80 ألف حمامة سلام وبالونات ملونة كرسالة سلام من اتجاه آخر للدول الغربية، بعدم رغبة الصين في الدخول في حروب أو منازعات، رغم أن الرئيس الصيني وصف الغرب في كلمته التي ألقاها في العرض العسكري بالسلوك المتسلط وعقلية الحرب الباردة. وهي كلمات بدت وكأنها هجوم على الرئيس دونالد ترامب وحربه الجمركية ضد بكين وحلفائها، بعدما تبادلت الصين والولايات المتحدة فرض رسوم جمركية تجاوزت 100%، قبل أن تتفقا على خفضها مؤقتًا ريثما تُجرى مفاوضات تجارية.
“ترمب متذمر ومنزعج”
فيما اعتبر الرئيس الأميركي اللقاء الثلاثي في بكين مؤامرة عليه. ولهذا تشعر الولايات المتحدة بكثير من الانزعاج والتذمر حيال تمدد منظمة شنغهاي للتعاون وتوسع النفوذ الصيني بها، وبسط نفوذها حول العالم. خصوصًا أن الرئيسين شي جين بينغ وفلاديمير بوتين خلال لقائهما أكدا على شراكة “بلا حدود” في مواجهة الغرب.
“روبوتات عسكرية مع الجنود”
وحين يرى العالم روبوتات عسكرية تمشي جنبًا إلى جنب مع الجنود، ويُعرض ذلك في بث عالمي مباشر، فإن هذه الصورة السردية الواقعية ليست فقط قوة صلبة، بل شكل من الحرب النفسية والإبهار الدعائي، لترسيخ فكرة أن الصين سبقت منافسيها إلى حروب المستقبل.
“هندسة الإدراك العالمي”
لقد تزامن العرض العسكري مع توترات دولية متصاعدة (في بحر الصين الجنوبي، وتايوان، والأزمة الروسية الأوكرانية، والتنافس مع واشنطن)، ما يجعل التوقيت ليس مجرد صدفة، بل جزءًا من استراتيجية “هندسة الإدراك الدولي”، حيث تقدم بكين نفسها كقوة موثوقة، منظمة، وحديثة في عالم مضطرب.
“قائد لمرحلة ما بعد الغرب”
الصين لم تعد فقط تستعرض قوتها، بل تروّج لرؤيتها الخاصة للنظام العالمي الجديد، حيث تكون التكنولوجيا، والانضباط، والسيادة، والحضارة الشرقية هي العناوين الكبرى. ومن خلال الجمع بين القوة العسكرية والابتكار المستقبلي، تسعى بكين لإقناع العالم بأنها ليست لاعبًا عاديًا، بل قائد محتمل لمرحلة ما بعد الغرب.
“كيف سترد واشنطن؟”
إنها إعادة صياغة كبرى لتاريخ العالم، والسؤال: كيف سترد واشنطن على عسكرة الصين وآلية مواجهة هذه الاستراتيجية الشرقية؟

