بندر بن عبدالله بن محمد
من أوسع الأبواب التي طرقها المشككون في الدين مسألة المشيئة والإذن، فهي عندهم مدخل للطعن في العدل الإلهي. قالوا: كيف يكون الإنسان مسؤولاً عن عمله والله يقول إن مشيئته مربوطة بمشيئة الله؟ وإن كان مسيّراً فلا ذنب له، وإن كان مخيّراً فكيف نفهم ربط مشيئته بمشيئة الله؟
وقد تصدى علماؤنا لهذه الشبهة قديماً، غير أن كثيراً منهم وقع في الجبر أو مال إلى نفي القدر، فزاد الأمر غموضاً. والحق أن القرآن وضع القاعدة واضحة لا لبس فيها: الإنسان مخيَّر في مجال التكليف، لكنه يعمل ضمن نظام كوني أوجده الله لا يستطيع تجاوزه.
مشيئة الإنسان في القرآن
الآيات القرآنية صريحة في إثبات الاختيار للإنسان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورٗا﴾ [الإنسان: ٣].
فالإنسان مدعوٌّ إلى الاختيار بين طريق الشكر وطريق الكفر، وله الحرية في أن يسلك أحدهما. ولو لم يكن مخيراً لما صح هذا العرض. لكن القرآن في الوقت نفسه يذكِّر الإنسان بضعفه وافتقاره، فيقول: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمٗا حَكِيمٗا﴾ [الإنسان: ٣٠].
وهنا يبرز التكامل: مشيئة الإنسان لا تعمل خارج مشيئة الله، بل داخلها. وهذا ليس جبراً، بل وضعٌ طبيعيٌّ لكائن محدود يعيش ضمن قوانين خالقه.
الفرق بين المشيئة الخالقة والمشيئة المخلوقة
التمييز هنا دقيق:
المشيئة الخالقة: مشيئة الله، التي أوجدت الأشياء من العدم، ورتبت السنن الكونية، ووضعت القوانين التي لا تتبدل.
المشيئة المخلوقة: مشيئة الإنسان، التي تعمل داخل هذا الإطار، يختار بين البدائل التي خلقها الله له، لكنه لا يخلق من عدم، ولا يغير سنناً ثابتة.
فأنت تشاء أن تسافر، فتستطيع أن تختار طريقاً أو آخر، لكنك لا تملك أن تنزع عن نفسك الحاجة إلى الهواء أو الطعام. وتشاؤك أن تزرع، لكن المطر بيد الله. وتشاؤك أن تكتب، لكن العقل واللغة والذاكرة كلها هبة من الله.
فالإنسان فاعل باختياره، لكنه لا يعمل في فراغ، بل في كون محكوم بمشيئة الله الكونية. وهذا عين العدل: لو لم يكن مخيراً لما حُمّل مسؤولية، ولو كان مطلق الإرادة لما عرف ضعفه ولا احتاج إلى ربه.
بين الجبر والاختيار
القرآن الكريم يرفض القول بالجبر كما يرفض القول بالحرية المطلقة. فهو يخبرنا أن الإنسان مسؤول عن عمله: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُ * وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨].
ولو كان مجبراً لما صح أن يُحاسب ويُجازى. وفي الوقت نفسه، القرآن يذكر أن لله علماً محيطاً ومشيئة نافذة، حتى لا يظن الإنسان أن قدرته مطلقة أو أن إرادته مستقلة عن خالقه.
إذن نحن لسنا عبيد الجبر ولا آلهة الحرية المطلقة، بل بشر مكلَّفون: نعمل بحرية داخل سنن الله، ونحاسَب على اختياراتنا لأننا مخيرون، مع إدراكنا أن مشيئتنا مقيدة بالوجود الذي شاءه الله.
الإذن الإلهي
أما الإذن فهو أخص من المشيئة، وهو إعلان من الله أن أمراً ما سيقع أو سيُسمح بوقوعه. ولا يملك هذا الإذن أحد من الخلق.
قال تعالى عن عيسى ابن مريم عليه السلام: ﴿…وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيَۡٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوتَىٰ بِإِذۡنِي…﴾ [المائدة: ١١٠].
فكل معجزة لعيسى عليه السلام كانت مقترنة بالإذن، تأكيداً على أن قدرته لم تكن ذاتية بل منحة إلهية.
وكذلك الشفاعة يوم القيامة، التي ظن بعض الناس أنها مفتوحة بلا قيد، قيّدها الله بالإذن فقال: ﴿…مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦ…﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فالشفاعة حق، لكنها لا تقع إلا بعد إذن الله، لأنه المالك المطلق.
المشيئة والإذن في حياة الإنسان
عندما نتأمل حياتنا اليومية ندرك هذا التوازن:
أنت تشاء أن تعمل، فتخرج من بيتك، لكن الله هو الذي يأذن للأسباب أن تجتمع حتى يتحقق عملك.
تشاء أن تتعلم، فتقرأ وتكتب، لكن الله هو الذي يأذن للعقل أن يفهم وللقلب أن يطمئن.
تشاء أن تعيش، لكن الله هو الذي يأذن للقلب أن ينبض وللرئتين أن تتنفّسا.
المشيئة اختيار، أما الإذن فهو تحقيق الاختيار بقدرة الله. ولهذا قال شعيب عليه السلام: ﴿…وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
الأمانة والتكليف
بهذا نصل إلى معنى عميق: المشيئة الإنسانية ضمن السنن، والإذن الإلهي فوق السنن. ومن هنا نفهم لماذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
الأمانة هنا هي حرية الاختيار التي تحمّلها الإنسان، فهي شرف ومسؤولية. والجبال والسموات والأرض أشفقت منها لأنها تدرك عظم المسؤولية، لكن الإنسان قَبِل، وبذلك صار مخاطباً بالتكليف، محاسباً على عمله.
لو كان الإنسان مسيّراً بالجبر، لما عُرضت الأمانة عليه أصلاً، ولما صح أن يوصف بالظلم والجهل. وإنما صح ذلك لأنه اختار، ولأن مشيئته تعمل داخل إذن الله.
خاتمة
المشيئة والإذن وجهان لحقيقة واحدة: الإنسان كائن مختار، لكنه يعيش في كون كله بيد الله. يقرر ما يشاء ضمن المتاح، والله يأذن لما يشاء أن يقع.
بالمشيئة يكون الإنسان مسؤولاً عن عمله.
وبالإذن يظهر أن الله هو المالك المطلق للأسباب والنتائج.
هذا الفهم يزيل شبهة الجبر، ويمنع الغرور بالحرية المطلقة. هو يضع الإنسان في موقعه الحق: عبد حرٌّ باختياره، مقيَّد بإذن ربه، محاط بعدل الله ورحمته معاً.
ومن وعي هذا عاش مطمئناً: يخطط ويعمل، وهو يعلم أن التوفيق بيد الله. يزرع، وهو يدعو الله أن يأذن للمطر أن ينزل وللنبت أن يخرج. يسعى للعلم، وهو يرجو الله أن يأذن للقلب أن يفهم. يصلّي ويصوم، وهو يرجو الله أن يأذن للعبادة أن تُقبل.
وبذلك يلتقي المعنى الإيماني العميق: أن الإنسان يعمل باختياره، لكن قلبه معلّق بربه، يعلم أن ما توفيقه إلا بالله، وأن مشيئته لا تتحقق إلا إذا شاء الله وأذن.

