د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
العقل البشري ليس مجرد آلة تفكر، بل كائن يختلق الأكاذيب كي يطمئن لنفسه…!
علم النفس الذي وُلد ليكشف أعماق الإنسان لم يسلم من الأساطير التي نسجتها الرغبة في التبسيط أو السلطة أو الخيال الجماعي ، شخصياً رصدت عدداً من تلك الأساطير التي تتوزع بين ما ظنه الناس يقيناً وبين ما روّج له الإعلام والكتب الشعبية، وكلها تشكل مرآة مزدوجة: نصفها يكشف جهلنا، ونصفها الآخر يكشف حاجتنا الدائمة للوهم.
أول هذه الأوهام تلك المقولة التي تقول إننا لا نستعمل سوى عشرة بالمئة من أدمغتنا. كذبة وُلدت من سوء فهم لكنها انتشرت لأنها تمنح عزاءً مريحاً : ما لم نحققه ليس فشلتً ، بل لأن تسعين بالمئة من قدراتنا نائمة ، إلا أن الحقيقة أن الدماغ يشتعل نشاطاً في كل أجزائه ، ومن هنا ينبثق وهم آخر أكثر رسوخاً ، وهو أن الذكاء ثابت وموروث بالكامل ، غير أن الواقع يبرهن أن الذكاء قابل للتطوير، وأن البيئة والتجارب والممارسة تعيد صياغة القدرات العقلية. لكن الناس أحبوا هذه الأسطورة لأنها تعفي البعض من المسؤولية وتمنح آخرين تاج التفوق الوراثي.
ومن سحر الدماغ ننتقل إلى أحلام الليل. هنا تتراءى أسطورة ثالثة: تفسير الأحلام عبر معاجم جاهزة وثابتة. غير أن اللاوعي ليس لغة موحدة بل مسرح فردي متغير. أن نقول إن سقوط الأسنان يعني الموت أو الطيران يعني الحرية ليس سوى تبسيط يطمس فرادة التجربة ، وكما الأحلام ، كذلك الشخصية؛ فهي لم تتحدد نهائياً في الطفولة كما يوهم البعض. الشخصية ليست حجراً صلباً بل نهراً يتغير مجراه مع العلاقات والخسارات والنجاحات. نحن نُعاد تشكيلنا مع كل جرح وكل حب وكل مواجهة.
وإذا كان الإنسان يفتش عن آلة تكشف خفاياه، فقد صدّق بأن جهاز كشف الكذب يملك الحقيقة. لكنه لا يكشف إلا ارتباك الجسد ولا يفرق بين خوف وذنب، فيبقى رمزاً لرغبتنا في آلة تحسم الأخلاق، بينما العلم نفسه يرفضه. ومن هنا يتولد وهم آخر يزعم أن العنف غريزة لا يمكن ضبطها، بينما الدراسات تكشف أنه نتاج معقد لعوامل اجتماعية وثقافية، وأن الإنسان قادر على ترويضه. غير أن الأسطورة تبرر الحرب والقتل وكأنهما قدر لا فكاك منه.
ومثلما نبالغ في تفسير العنف، فإننا نُخطئ في فهم الذاكرة. ليست كاميرا تسجل الماضي كما وقع، بل رواية يعيد دماغنا كتابتها في كل مرة نستدعيها، وقد يضيف إليها ما لم يحدث قط، فنصبح أسرى صور مشوهة نظنها يقيناً. ومن الذاكرة نعرج إلى الدماغ ثانية، لنجد أسطورة أخرى تقول إن الناس إمّا يسيطر عليهم نصف دماغ أيمن أو أيسر. والحقيقة أن الدماغ يعمل بتكامل مذهل، لكننا نحب هذه الثنائية لأنها تضعنا في قوالب سهلة: شاعر أو عالم، يمين أو يسار.
وبين أوهام الدماغ والنفس يتجلى وهم أشد قسوة: أن الاكتئاب مجرد ضعف شخصية. كذبة حرمت المريض من التعاطف، بينما العلم يثبت أنه اضطراب معقد يرتبط بالكيمياء الدماغية والبيئة. وإلى جوارها تقف أسطورة أخرى تقول إن الصدمات تُخزن في اللاوعي ثم تظهر فجأة كاملة. غير أن الذكريات المؤلمة لا تُحفظ كملفات جاهزة، بل تتحور وتتفتت، وما يُستعاد ليس الأصل بل نسخة معدلة بالزمن.
ومثلما أسيء فهم الصدمات، فقد أسيء أيضاً فهم العلاج. أن يُختزل في فضفضة يقوم بها أي صديق، بينما هو علم قائم على مدارس وأساليب دقيقة. أما وهم قراءة خط اليد كمرآة للشخصية، فهو أكثر طرافة، إذ يفتقد لأي دليل علمي لكنه راج لأنه يمنح الناس شعوراً بأن النفس كتاب يمكن قراءته بسهولة.
ثم تأتي الحكايات عن التوائم، بأنهم يتقاسمون عقلاً واحداً أو مشاعر متزامنة، بينما العلم يؤكد أنهم متشابهون جينياً لكن لكل منهم تفرده النفسي. وبالطريقة نفسها يُصوَّر أن الذكريات المبكرة محفوظة بوضوح منذ العام الأول، لكن ما قبل الثالثة ضبابي، والذاكرة الطفولية تذوب كأحلام لا نصل إليها.
ويتواصل الوهم حين يُقال إن الذكاء العاطفي هو مفتاح النجاح المطلق. صحيح أنه مهم، لكنه ليس كافياً. اختزال النجاح في بعد واحد ليس سوى وهم تسويقي. وعلى نفس المنوال رُوّج نموذج المراحل الخمس للفقد وكأنه خريطة ثابتة لمواجهة الموت أو الحزن، بينما التجربة الإنسانية أعقد والحزن لا يعرف قوالب مسبقة.
وإلى جوار ذلك تقف الاستعارة الشهيرة: الرجال من المريخ والنساء من الزهرة. استعارة جميلة لكنها تحجب حقيقة أن الاختلافات داخل كل جنس أعمق من الفروق بين الجنسين. وفي السياق ذاته نجد الاعتقاد بأن التنفيس عن الغضب بالعنف يهدئ النفس، بينما الأبحاث تشير إلى العكس: العنف يولّد عنفاً.
ويُضاف إلى هذه السلسلة الاعتقاد بأن الضحك دواء لكل شيء. صحيح أنه يخفف التوتر ويمنح لحظات من النور، لكنه ليس علاجاً للمرض العضوي أو الاضطراب النفسي. وأخيراً نجد الوهم الأكبر: أن التنويم المغناطيسي يسلب الإرادة، بينما الواقع أنه حالة تركيز واسترخاء لا تجبر الفرد على فعل ما يرفضه في أعماقه.
هذه الأساطير العشرون تكشف أن الإنسان لا يبحث فقط عن الحقيقة، بل عن قصص يسكن إليها. نحن نحب الأوهام لأنها تعطي الحياة وضوحاً مصطنعاً وتجعل الغموض أقل قسوة. لكن مواجهة الحقيقة تعني إدراك أن النفس أعمق من أن تُحشر في أساطير جاهزة.
ختاماً.. أوهام العقل ليست مجرد قائمة من الأخطاء، بل درس في أن العلم نفسه يحتاج إلى حراسة من الوهم، وأن الإنسان، في توقه للمعنى، قد يبتكر الأكاذيب ثم يسوقها كحقائق. وهنا يكمن جوهر المفارقة: نحن نخترع الأسطورة لنفهم أنفسنا، ثم نكتشف أننا ضللنا الطريق إليها. وربما تكون الحكمة الأخيرة أن أعظم أوهامنا ليست تلك التي صنعها علم النفس، بل وهمنا نحن بأننا قادرون يوماً على معرفة ذواتنا كما هي، بلا ستار ولا أقنعة.

