يواجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) اليوم تحدياً يتجاوز الإنفاق الدفاعي أو امتلاك أحدث المنظومات العسكرية، إذ يكمن الخطر الأكبر في نقص القوى البشرية القادرة على تشغيل هذه المنظومات وتنفيذ المهام الدفاعية.
تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست أعدّه أليكس واجنر وكريستن تايلور يؤكد أن الإنفاق الدفاعي المتزايد لا يمكن أن يترجم إلى أمن حقيقي للحلف، ما لم يُترجم إلى جنود مدرَّبين قادرين على الردع.
ولأول مرة منذ تأسيس الحلف قبل 76 عاماً، واجه الناتو اختباراً مباشراً داخل مجاله، حيث أسقطت الدفاعات الجوية البولندية ثلاث طائرات مسيّرة روسية، ما كشف استعداد موسكو لاختبار قدراته الدفاعية. غير أن الحادثة أبرزت نقطة ضعف أعمق: نقص الأفراد العسكريين.
حتى مع التزام الحلفاء بزيادة الإنفاق ليصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، تظل فجوة القوى البشرية أصعب من سدّها. أوروبا تعاني تراجعاً ديموغرافياً تاريخياً، وانخفاضاً في معدلات المواليد، فضلاً عن أن عقود السلام بعد الحرب الباردة جعلت الخدمة العسكرية بعيدة عن خيارات الشباب المهنية.
ألمانيا أعلنت خططاً لزيادة 30 ألف جندي خلال ست سنوات، لكن المقاومة الثقافية لفكرة الخدمة العسكرية تجعل تحقيق الهدف صعباً.
النرويج لديها نظام تجنيد إلزامي محترم، لكن مدة الخدمة القصيرة تُفقد الجيش خبراته سريعاً، خاصة مع عدد سكان محدود.
إيطاليا وصفت قواتها المسلحة بأنها “صغيرة بشكل خطير”، فيما يظل ضعف الرواتب وقلة الحافز الشعبي عقبة أمام التجنيد.
الأزمة ليست أوروبية فقط؛ فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً ديموغرافية مماثلة. لكنها تمكنت من تحقيق نجاحات بفضل سياسات أكثر مرونة، مثل تعديل شروط القبول، وإطلاق برامج تدريب قبل المعسكرات، وتخفيف بعض القيود المتعلقة بالمعايير البدنية.
الاستنتاج الأهم هو أن الإنفاق المالي، مهما ارتفع، لن يضمن قوة ردع للناتو ما لم يتواز مع استراتيجيات جريئة لتوسيع قاعدة المواهب، وجعل الخدمة العسكرية أكثر جاذبية، وتطوير سياسات التجنيد والاحتفاظ بالكوادر. فالناتو الذي يوازن بين المال والقوى البشرية سيكون أكثر صلابة بكثير من حلف يمتلك نصف المعادلة فقط.

