عبدالجبار الخليوي – كاتب وروائي وصاحب العديد من الإصدارات الأدبية
ليست المجالس والديوانيات مجرد مقاعد يجتمع فيها الناس لتبادل الأحاديث والأخبار، ولا جدرانًا تُزيَّن بالألوان واللوحات التُراثية؛ ولا قهوةً تُصب وتُدار فناجيلها بين الحضور؛ بل هي أكثر من هذا المفهوم؛ هي مدرسة أخلاق للأجيال، وميدان معرفة ذات إرث حضاري.
وتُعتبر المجالس والديوانيات ميزان راق لكرم الرجل المضياف وحكمته؛ وعلى كل من يفتح أبواب داره للزائرين إنما يفتح قلبه بداية لهم، فإن أكرمهم بالكلمة الطيبة النابعة من صفاء نية والإصغاء الحسن كان مجلسه بإذن الله عامرًا؛ وإن استأثر بالحديث وأغلق باب المشاركة فقد أخطأ بتصوري، وخلا المجلس من روحه الحقيقية؛ بل صار المجلس صدى لصوت واحد؛ هو يُديره.
إن صاحب المجلس الأصيل هو من يتقدّم بابتسامة ترحيب بأسمائهم، ويُحسن الاستماع إليهم قبل أن يُحسن الحديث؛ عليه أن يكون قليل الكلام؛ رزين العبارة؛ يفسح المجال لضيفه كي يُبدي رأيه ويُعبر عنه بحرية؛ وعليه أن يجعل من جلسته ساحة تتلاقى فيها الرؤى مهما اختلفت؛ وتتباين فيها الأفكار؛ ثم تتوحّد مع بعضها البعض؛ على الاحترام والمودة.
أما صاحب المجلس الذي يطيل في الكلام؛ يُشرق ويُغرب؛ ويستأثر بالحديث؛ فإنما يطفئ وهج حماس لقاء الجلسة؛ ويزرع الملل في نفوس الحضور؛ ويحوّل المجلس إلى محاضرة جافة تخصه هو؛ لا إلى لقاء فيه الحياة تنبض.
إن من كرم الضيافة في المجالس أن تُكرم العقول كما تُكرم الأجساد بالطعام والشراب؛ وأن يُقدَّم للضيف حق الكلمة كما يُقدَّم له فنجان القهوة والحلوى؛ فربما جملة صادقة من زائر غريب أشعلت في النفوس قبس حكمة؛ وربما رأي عابر فتح بابًا للخير كان مجهولاً؛ وربما كلمة صريحة أصلحت ما فسد بين القلوب؛ وهكذا تُثمر المجالس حين تُفتح للألسن والأفكار، لا حين تُغلق وتُختزل في صوت صاحب المجلس.
اجعلوا من ديوانياتكم منابر تُحيا فيها القلوب بالود والاحترام؛ وتُصان فيها الألسن بالأدب؛ وتُقدَّم فيها الكلمة على قدرها.؛ ورجاءً افتحوا المجال للزوار؛ استمعوا قبل أن تتحدثوا؛ وامنحوا غيركم فرصة المشاركة؛ مهما كان الضيف؛ لتبقى المجالس عامرة بالخير؛ زاخرة بالذكر الحسن؛ شاهدة على كرمكم وحكمتكم.
فما أجمل مجلسًا صامت فيه صاحبه؛ مُرحّبًا بابتسامته؛ ونطق فيه ضيوفه فأبدعوا؛ واجتمعوا على القول النافع والرأي السديد؛ حتى كأن المجلس صار روضة؛ والحديث في ثمرًا متنوعًا؛ يطيب لكل حاضر أن يقطفه.

