الأمير بندر بن عبدالله
تمهيد
القدر ليس لغزًا يُتداول بين الناس بجدلٍ فلسفي، بل هو اللغة التي كتب الله بها قوانين الوجود، نظامٌ دقيق يبدأ من الذرّة وينتهي إلى المجرّة، يسري في كل شيء خُلق، لا يحيد عن موضعه ولا يتجاوز قدره، لأن الله ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقديرًا﴾ [الفرقان: 2].
فالقدر ليس قيدًا يحدّ الإرادة، بل هو النسق الذي يجعل الإرادة ممكنة. فلو لم يكن في الكون نظام، لما وُجد للاختيار معنى، ولا للمسؤولية موضع. كل ما في الوجود يسير وفق تقديرٍ سبق في علم الله، غير أن الله أودع في الإنسان قدرةً على الاختيار تعمل ضمن سننه، فقال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، أي لا تكون مشيئتكم إلا واقعةً تحت مشيئته، إذ لا خروج عن سلطان الله في خلقه ولا عن إرادته في تدبيره.
والقدر في جوهره ميزان الخلق، به تتزن الحركات، وتُقاس الأزمنة، وتُربط الأسباب بالنتائج. لذلك كان التقدير في القرآن ملازمًا للخلق، لا يسبقه ولا يتأخر عنه، فكل مخلوق خُلق على قدرٍ معلوم، وسرّ ذلك القدر أنه لا يُدرك بالحساب وحده، بل بالتفكر في حكمة الله الجارية في الأشياء.
إن القدر بهذا المعنى ليس حدثًا يقع، بل حقيقة دائمة تقع بها الأحداث، فهو صورةُ العلم الإلهي في الخلق، وصورةُ الإرادة في التكوين، وصورةُ العدل في الجزاء. ومنه يتفرّع القضاء، ويُفهم معنى الحرية، ويُعرف موقع الإنسان بين العلم الإلهي والمشيئة الكونية.
مشيئة الإنسان ضمن مشيئة الله
الآية ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30] ليست نفيًا لاختيار الإنسان، بل بيانٌ لمصدر القدرة التي بها يختار. فالله هو الذي قدّر الأمور بمشيئته، وأجرى في الكون سننًا تضبط كل حركة فيه، فهو العليم بما خَلَق وما سيخلق، يعلم ما في الوجود كله، وما سيكون في غده ومستقبله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 75].
خلق الله السماوات بمجراتها ونجومها وكواكبها، وجعل الأرض بما فيها من بحار وجبال وجواهر ومعادن وماءٍ وهواءٍ وجاذبيةٍ تسير بأمره، ثم أودع في الإنسان القابلية على الفعل والاختيار ضمن هذه المنظومة المحكمة. فقام الإنسان بمشيئته –التي هي من مشيئة الله– بابتكار العلوم، فاكتشف قوانين الفيزياء والكيمياء والفلك، وجعل من المادة علمًا، ومن التجربة طريقًا إلى المعرفة.
وهكذا تتكامل المشيئتان: مشيئة الخالق التي تُوجد الإمكان، ومشيئة المخلوق التي تُحقّق الفعل. وما الإنسان إلا متحرّكٌ بقدرةٍ أُعطيت له، وموجَّهٌ بنظامٍ خُلِق من أجله. لذا لا تكون هذه الآية حجةً للملحدين في نفي الحرية، بل هي دليلٌ على عمق النظام الإلهي الذي جعل للإنسان إرادةً داخل حدود المشيئة الكبرى، يختبر بها عمله ويُحاسَب عليها.
أولًا: معنى القدر في اللغة والقرآن
القدر في أصله اللغوي مأخوذ من الجذر (ق د ر)، وهو جذرٌ واسع الدلالة يدلّ على التحديد والتقويم والموازنة والتمكين.
قال في لسان العرب: «القدر هو الحكم، والتقدير هو التبيين والتسوية، وقدّر اللهُ الخلقَ أي سوّاهم وهيّأهم على مقدارٍ معلوم».
فالقدر إذًا ليس الجبر، بل هو التقدير المحكم الذي به تقوم الأشياء على حدودها، فلا إفراط في الوجود ولا تفريط، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].
وفي القرآن تتوزع معاني القدر بين ثلاثة محاور كبرى:
⁃ القدر الكوني: وهو النظام الذي تسير به المخلوقات في مساراتها، كقوله تعالى ﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِمِقدَارٍ﴾ [الرعد: 8]، أي بوزنٍ محسوب لا يتعدّى حدّه.
⁃ القدر الإنساني: وهو ما خُصّ به الإنسان من طاقةٍ وإرادةٍ وعملٍ، كما في قوله تعالى ﴿وَنَفسٍ وَما سَوّاها * فَأَلهَمَها فُجورَها وَتَقواها﴾ [الشمس: 7-8]، أي أن الله قدّر للنفس مجالًا تختار فيه بين الفجور والتقوى، ثم تُجازى على ما كسبت.
⁃ القدر الإيماني: وهو الإيمان بأن كل ما يجري في الكون إنما يقع بعلم الله وتقديره، لا صدفةً ولا عبثًا، لقوله تعالى ﴿ما أَصابَ مِن مُصيبَةٍ فِي الأَرضِ وَلا فِي أَنفُسِكُم إِلّا فِي كِتابٍ مِن قَبلِ أَن نَبرَأَها﴾ [الحديد: 22].
فالقدر بهذا المفهوم هو انتظام الكون كله على هندسةٍ واحدةٍ من أمر الله، تُظهر عدله في المقادير، وحكمته في الموازين، وعلمه في المخلوقات. وكل ما يراه الإنسان من اختلافٍ في الأحوال أو تبدّلٍ في المصائر إنما هو وجهٌ من وجوه التقدير الذي لم يُخطئ موضعه، لأن كل شيء في الخلق مقدّرٌ بحكمةٍ قبل أن يكون وجودًا.
ثانيًا: الفرق بين القضاء والقدر
القضاء والقدر كلمتان متلازمتان في ظاهر القول، لكن لكلٍّ منهما موضعٌ في نظام الخلق، لا يُفهم أحدهما إلا بالآخر.
فالقدر هو العلم السابق والتقدير المحكم قبل وجود الشيء، أما القضاء فهو تنفيذ ذلك التقدير ووقوعه في زمنه المحدد. فالقدر بمنزلة التصميم الذي وُضع في علم الله، والقضاء بمنزلة ظهور هذا التصميم في الواقع المخلوق. قال تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمرًا فَإِنَّمَا يَقولُ لَهُ كُن فَيَكونُ﴾ [آل عمران: 47].
فالقضاء هو الأمر الإلهي الذي يُخرِج المقدور من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، بينما القدر هو ما سبق في العلم من تحديدٍ وتدبيرٍ وحكمةٍ ومقدار. ولفظ القضاء في اللغة من الجذر (ق ض ى)، وهو يدل على الإتمام والإنجاز والفصل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص: 29] أي أتمّه وبلّغه غايته.
أما القدر فهو من الجذر (ق د ر) الذي يعني التقدير والتقويم والتهيئة، أي ضبط الشيء على مقدارٍ معلومٍ لا يزيد ولا ينقص. وعلى هذا، يكون القدر مرحلة العلم والإعداد، ويكون القضاء مرحلة الإظهار والتنفيذ. فالقدر علمٌ محيط، والقضاء فعلٌ واقع، وما بينهما يتجلى ميزان الحكمة الإلهية التي تربط بين العلم والإرادة، وبين المشيئة والحدوث، فلا يحدث في الكون شيءٌ إلا وقد سبق في علم الله، وأحكمه في قدره، وأجراه بقضائه.
ثالثًا: موقع الإنسان بين العلم الإلهي والاختيار
لم يجعل الله الإنسان رقمًا ساكنًا في معادلة الوجود، بل جعله فاعلًا مختارًا ضمن سنن الخلق.
فهو لا يخلق القوانين، لكنه يعمل داخلها، ويؤثّر في نتائجها بما يختاره من فعلٍ أو ترك. ومن هنا جاء قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ وَالبَحرِ بِما كَسَبَت أَيدِي النّاسِ لِيُذيقَهُم بَعضَ الَّذي عَمِلوا لَعَلَّهُم يَرجِعونَ﴾ [الروم: 41]. فالفساد لم يظهر خارج النظام الإلهي، بل نتيجةً لاستعمال الإنسان لقدراته في غير وجهها. فالإنسان مُكرّم بالقدرة على الفعل، لكن قدره لا يرفعه عن المسؤولية، لأن مشيئته تجري داخل مشيئة الله، وعمله خاضع لسننه.
فما يفسده الإنسان في الأرض أو البحر، في الهواء أو المناخ، في النظام الأخلاقي أو الاجتماعي، إنما يجنيه من نفسه، والله قدّر عليه أن يرى آثار عمله ليتعلّم من النتيجة ويعود إلى الصواب.إن الآية لم تقل “بما شاء الله” بل قالت “بما كسبت أيدي الناس”، أي أن للإنسان دورًا فاعلًا في ظهور آثار فعله.
وهنا يتجلى التوازن بين القدر والإرادة:
⁃ القدر يحدّد القانون.
⁃ والإرادة تختبر الإنسان في تطبيقه.
⁃ والنتيجة هي الجزاء في الدنيا والآخرة.
فالقدر الإلهي لا يمنع التأثير الإنساني، بل يضبطه ويكشف عواقبه. ولذلك قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَم يَكُ مُغَيِّرًا نِعمَةً أَنعَمَها عَلى قَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾ [الأنفال: 53].
أي أن الله لم يرفع عنهم النعمة إلا بعد أن أفسدوا مواضعها، فاختلّ التوازن في الأرض، وكان ذلك انعكاسًا لقدَرٍ سننيٍّ محكم، لا لعقوبةٍ عشوائية. ومن هنا يتبيّن أن فعل الإنسان في الطبيعة ليس خارج القدر، بل هو وجهٌ من وجوه القدر ذاته، لأن النظام الإلهي أذن له بالتأثير ضمن حدود الحكمة الإلهية، ليكون مسؤولًا عن أثره في الكون، وشاهدًا على نفسه يوم الحساب.
بين الفهم الصحيح وسوء الفهم في القدر
قد يظنّ بعض الناس أن الإيمان بالقدر يعني ترك العمل، أو الاستسلام لما يقع من غير سعيٍ أو حذر، فيجعلون من علم الله حجةً على تقصيرهم، مع أن الله أمر بالسعي والعمل، ونهى عن التواكل والكسل. ومن طريف ما يُروى في ذلك أن أحد حرّاس المرمى في مباراة كرة القدم قال لمدافعه حين اقتربت الكرة من المرمى: «دعها فإنها مأمورة»! فتركها، فدخلت المرمى.
هذه العبارة الساخرة تختصر الفهم الخاطئ للقضاء والقدر، لأن الحارس جعل من القدر عذرًا للتقاعس، وكأنّ علم الله يُلزمه بعدم الفعل. إن مثل هذا الفهم لا يختلف عمّن يترك الزرع بلا سقي، أو المريض بلا دواء، ثم يقول: هكذا قدّر الله.
لكن القدر في القرآن لا يُسقط الأسباب، بل يجعلها جزءًا من النظام الإلهي الذي يُحاسَب الإنسان على تعامله معه. فالله يقول: ﴿وَقُلِ اعمَلوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم﴾ [التوبة: 105]، أي أن الفعل هو ميدان الاختبار، لا التبرير. فالقدر لا يعفي الإنسان من المسؤولية، بل يُلزمه بها؛ لأنّ الله قدّر له القدرة والعقل والإرادة، ثم ترك له حرية التصرّف في إطار المشيئة الكونية.أما الاتكال المزعوم الذي يقول “دعها فإنها مأمورة” فليس إيمانًا بالقدر، بل جهلٌ بالسنن، وسخرية من النظام الإلهي الذي يُقيم الأشياء على العمل والجزاء.
رابعًا: القضاء والقدر بين المعنى الإلهي والمعنى الإنساني
القضاء والقدر في أصلهما ليسا مقصورين على الفعل الإلهي وحده، بل هما من الألفاظ التي تحمل درجاتٍ في المعنى، يختلف عمقها باختلاف الفاعل والمقام. فمن جهة الله، هما علمٌ وتقديرٌ وتنفيذٌ شامل لكل ما في الوجود، ومن جهة الإنسان، هما تدبيرٌ وإتمامٌ لعملٍ محدود داخل نظام الله وسننه. فالقدر في اللغة من الجذر (ق د ر)، ويعني التحديد والتقويم والتهيئة.
تقول العرب: “قدّرتُ الحديد” أي هيّأته على شكلٍ يناسب الغرض، و“قدّرتُ الشيءَ تقديرًا” أي جعلت له مقدارًا معلومًا. فإذا أُضيف إلى الله، صار معناه التقدير المحكم في الخلق والتدبير، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقديرًا﴾ [الفرقان: 2].
أما إذا أُضيف القدر إلى الإنسان، فهو تقديره للأشياء وفق علمه وقدرته، كما في قصة يوسف عليه السلام مع الفتيين حين قالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]، فرأيا فيه إحسانًا في الفهم والتقدير والتصرف، فأجابهم يوسف بلطفٍ قائلاً: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39].
فهذه الآيات تُبيّن أن الإنسان يمكن أن يُحسن التقدير ضمن ما أوتي من علمٍ وإدراك، وأن إحسان يوسف في تدبير الموقف كان وجهًا من وجوه القدر الإنساني الذي يعمل ضمن حدود القدر الإلهي. فهو لم يُقدّر بعلمه الغيب، بل قدّر بما وهبه الله من بصيرةٍ وحكمةٍ في قراءة الواقع وتأويل الرؤى.
فالتقدير الإنساني إذًا هو ضبط الأمور في حدود التجربة والمعرفة، لا في حدود الغيب والإحاطة المطلقة.
أما القضاء، فمن الجذر (ق ض ى) الذي يعني الإتمام والفصل والإنجاز. يُقال: “قضى محمد غايته” أي أتمّها وبلغ نهايتها، و”قضى الأجير عمله” أي أكمله.
وفي القرآن أمثلة كثيرة على استعمال القضاء بهذا المعنى الإنساني، مثل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص: 29] أي أتمّه، وقوله ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72] أي افعل ما أنت فاعل. أما إذا نُسب القضاء إلى الله، فمعناه إظهار ما قُدّر في علمه إلى حيّز الوجود، كقوله تعالى ﴿إِذَا قَضَى أَمرًا فَإِنَّمَا يَقولُ لَهُ كُن فَيَكونُ﴾ [آل عمران: 47]. فهو قضاءٌ بالأمر الإلهي الذي يخلق الأشياء من العلم إلى الواقع، فيتحقق التقدير الأزلي بالقول الإلهي (كُن).
وعلى هذا، يكون القضاء والقدر نظامًا واحدًا له وجهان:
⁃ وجهٌ إلهيٌّ مطلق، لا يحدّه زمان ولا مكان، يشمل الخلق كله بعلمه وإرادته.
⁃ ووجهٌ إنسانيٌّ جزئي، يعمل ضمن السنن الإلهية، يُقدّر ويقضي بقدر علمه وقدرته المحدودة.
فالإنسان إذا قدّر شيئًا أو قضى أمرًا، فهو يفعل ذلك داخل دائرةٍ من القدر الإلهي لا يستطيع تجاوزها، لأن الله هو الذي منح له القدرة والزمن والعقل والاختيار.
أما الله سبحانه، فقضاؤه وقدره مطلقان، لأنهما صادران عن علمٍ لا يسبقه جهل.

