على امتداد السهول الساحلية في منطقة جازان، حيث يلتقي البحر بالنخيل وتهمس الرياح بقصص الأجداد، تقف العشّة الجازانية شامخة ببساطتها، منسوجة من سعف النخيل وعرق الأيادي الطيبة، كرمزٍ للهوية ومرآةٍ لعلاقة الإنسان ببيئته.
فالعشّة — بيتٌ من القش والطين — تمثل فلسفة الحياة البسيطة التي عاشها الجازانيون، حيث تُبنى بلا خرائط أو مهندسين، بل بمعرفةٍ فطرية تنسجم مع الطبيعة. يجمع البنّاء جريد النخل وسعف الدوم وأغصان السمر ليشيّد بيتًا يحتضن أسرته وأيامه، بينما تتسلل نسمات البحر إلى جدرانه، فتلطّف حرّ الصيف وتملأ المكان بأصوات الجدّات وحكايات المساء.
تحوّلت العشّة الجازانية إلى رمزٍ للرضا والقناعة، ومكانٍ يجتمع فيه الناس على فطرة نقية، يتبادلون الأحاديث حول البحر والزراعة والحياة، وتُروى بين جدرانها قيم التعاون والكرم وحب الأرض التي ما زالت تسكن وجدان أبناء جازان حتى اليوم.
ورغم تغيّر ملامح العمران واتساع المدن، عادت العشّة بثوبٍ عصري يزيّن المهرجانات والمقاهي الشعبية والمنتجعات السياحية، مزدانة بالألوان التراثية والحصر اليدوية والمباخر، لتروي للأجيال الجديدة قصة الإنسان الذي صنع الجمال من البساطة.
وتبرز في بنائها عبقرية العمارة البيئية المستدامة، إذ يعتمد الجازاني على خامات بيئته: سعف النخيل لصنع الجدران والسقف لمتانته، وأغصان السمر والسدر والمض والدوم لتدعيم الأعمدة والزوايا، فيما تُفرش الأرض بطبقةٍ من الطين المخلوط بروث البقر والرمل لتوفير البرودة نهارًا والدفء ليلًا.
بهذا التناغم بين الإنسان والطبيعة، تبقى العشّة الجازانية شاهدًا على مهارة الإنسان في التكيّف مع بيئته، ومظهرًا من أصالة الجنوب السعودي الذي جمع عبق الماضي بضياء الحاضر.

