بندر بن عبدالله بن محمد
تمهيد
حين يظنّ الإنسان أنّ ما بين يديه باقٍ، وأنّ ما جمعه من مالٍ وزرعٍ وعملٍ كفيلٌ بأن يصنع له الديمومة، يكون قد نسي أنّ الدوام لله وحده. فالإغراء الأكبر ليس في إنكار الله، بل في أن يرى الإنسان في نفسه أو في ماله ما يُغنيه عن الله. ذلك هو الشرك الخفيّ الذي يتسرّب إلى القلب باسم النعمة، حتى يصبح الاعتماد على الأسباب عبادةً من غير شعور، ويغيب الإيمان بالغيب أمام ما يُرى ويُلمس.
قصة الرجلين
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِن أَعنابٍ وَحَفَفنَاهُمَا بِنَخلٍ وَجَعَلنَا بَينَهُمَا زَرعًا﴾ [الكهف: من 32 إلى 42].
لم تكن القصة حكاية واقعةٍ ماضية، بل مثَلًا يضربه الله للناس، ليرى كلّ واحدٍ نفسه فيه. أحد الرجلين أُعطيَ من النعمة ما يبهِر العين ويغري النفس، فاغترّ بها حتى ظنّ أنّ دوامها دليل رضى الله عنه. دخل جنّته وهو ظالمٌ لنفسه فقال: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35]، فنسب إليها صفةً من صفات الله: الديمومة. ثم قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36]، فضعُف يقينه بالغيب، ومع ذلك أضاف: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: 36]، فاعترف بربٍّ في القول لكنه أشرك به في الرؤية، إذ جعل النعمة مقياس القَبول عند الله.
أين الكفر؟ وأين الشرك؟
الكفر هنا لم يكن جحودًا بالله، بل غيابًا للوعي بالغيب، فالإنسان قد يعرف ربَّه نظريًّا، لكنّه لا يراه فاعلًا في ما يملك. أمّا الشرك فكان في نسبة الديمومة والقوّة إلى الجنة، كأنها تستغني عن الله في بقائها. فالكفر عقلٌ مطموس لا يُبصر وراء الأسباب، والشرك قلبٌ معلّقٌ بالأسباب لا يرى فيها يد الله.
إيمان الحسّ وغفلة الغيب
كان صاحب الجنتين رجلًا ماديًّا، لا يعرف إلا ما أمامه، يرى النعمة وجودًا قائمًا بذاته. آمن بالعطاء ونسي المعطي. وعندما حاوره صاحبه المؤمن قال له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 37–38]، فذكّره بأصله وبمبدأ الخلق، لأنّ من يتأمّل بدايته يُدرك أنّ البقاء ليس له، وأنّ الديمومة لله وحده.
بين الأمس واليوم
ذلك الرجل لم يكن حالةً عابرة في التاريخ، بل نموذجًا متكرّرًا في كلّ زمان. فاليوم يتجلّى شركه في صورٍ جديدة:
⁃ رجلٌ يظنّ أنّ علمه يحميه من الخطأ، فيغيب عنه أنّ التوفيق من الله.
⁃ وآخر يرى في سلطانه أو منصبه خلودًا، فيغفل أنّ الملك يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء.
⁃ وثالثٌ يعتقد أنّ المال يصنع له الأمان، فيقول بلسانه «توكلت على الله» لكن قلبه معلّق بحساباته البنكية.
⁃ وامرأةٌ ترى جمالها أو شهرتها نعمةً مكتفية بذاتها، فتعبد صورتها كما عبد صاحب الجنتين جنّته.
فالشرك اليوم لم يعد في الأصنام الحجرية، بل في الأصنام المعنوية التي صنعها الإنسان بيديه: المال، الشهرة، المنصب، السلطة، العلم، وحتى الدين حين يتحوّل إلى مظهرٍ يُراد به التفاخر لا التزكية.
حين تختبر النعمة
إنّ النعم تُختبر لا لتُبيد، بل لتُعيد ترتيب البصيرة. فالله لا يسلب ما وهب إلا ليُري الإنسان مصدر العطاء. لذلك كانت لحظة الانكشاف في القصة هي لحظة البصيرة. قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: 42]، أي حين رأى زوال ما ظنّه باقياً أدرك هشاشة الأسباب وقوة المسبّب.
لحظة الانكشاف
لمّا أُحيط بثمره، ورأى جنّته خاويةً على عروشها، انكشف له ما كان غائبًا عن وعيه. عندها لم يندم على فكره، بل على اعتماده؛ لم يقل: يا ليتني آمنت، بل قال: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 42]. عرف أنّ خطأه لم يكن في النظرية بل في الصفة، إذ جعل لجَنّته بقاءً كدوام الله. فحين سقطت الأسباب التي عبدها بقلبه، سقط معها شركه.
وصاحب الجنتين في هذا المثل لم يشرك فحسب، بل كفر بالساعة أيضًا، إذ قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36]، فجمع بين الغفلة عن الغيب والشرك بالأسباب. لذلك ختم الله المثل بقوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف: 43]، ليبيّن أنّ كل قوّةٍ تُستمدّ من غير الله إلى زوال. ومثل ذلك قارون الذي نسب غناه إلى نفسه فقال: ﴿قالَ إِنَّما أوتيتُهُ عَلى عِلمٍ عِندي أَوَلَم يَعلَم أَنَّ اللَّهَ قَد أَهلَكَ مِن قَبلِهِ مِنَ القُرونِ مَن هُوَ أَشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وَأَكثَرُ جَمعًا وَلا يُسأَلُ عَن ذُنوبِهِمُ المُجرِمونَ﴾ [القصص: 78]، فاشترك مع صاحب الجنتين في جوهر الضلال، إذ رأى في نفسه ما يغنيه عن الله، وظنّ أنّ علمه أو ماله يمنع عنه قدره.
العبرة في النفس البشرية
القصة تعلّمنا أنّ الكفر لا يبدأ بإنكار، بل بغفلة، وأنّ الشرك لا يبدأ بتمثال، بل بتعلّق. فكلّ ما يُغنيك عن الله لحظةً هو معبودك في تلك اللحظة. وقد يكون الشرك في السعي المحموم خلف رزقٍ لا يُذكر فيه اسم الله، أو في نجاحٍ تُنسى فيه السجدة الأولى، أو في علمٍ يُظنّ أنّه يغني عن الوحي. فالله لا يريد من الإنسان ترك الأسباب، بل أن يراها ممرًّا لا مقرًّا، وسيلةً لا غاية.
وهنا يتجلّى المعنى العميق للغفلة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5]، فالناس في هذا الموضع هو الناسي الذي يُصيب عقلَه وسواسُ الخفاء، فيغيب وعيه بالله دون أن يُنكر وجوده. إنّه الذي يوسوس في العقول حين يغيب الذكر، فينشأ الكفر من النسيان لا من الإنكار. أمّا قوله تعالى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6] فهو بيانٌ أنّ هذا “الناسي” من جملة المخلوقين المكلّفين المخيَّرين، وأنّ الشياطين يكونون من الإنس والجنّ جميعًا. وهؤلاء هم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿…الَّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنونَ صُنعًا﴾ [الكهف: 104]، أي الذين غابت عنهم البصيرة فظنّوا أنّ إحسانهم من أنفسهم لا من توفيق الله. فالنسيان هنا بابٌ للشرك، إذ يُخفي عن النفس حضور الله في الأسباب، فتُعيد صناعة الوثن في داخلها وهي تظنّ أنّها على إيمان. وهكذا يصبح النسيان امتحانًا وجوديًّا للإنسان، به يُختبر وعيه بين الذكر والغفلة، وبين أن يرى الأشياء بالله أو أن يراها بنفسه؛ فإن تذكّر عاد موحّدًا، وإن نسي صار عبدًا لما صنع بيديه.
خاتمة
إنّ القصة ليست عن رجلٍ كفر بالله، بل عن إنسانٍ عبد الأسباب وهو يظنّ أنّه مؤمن. فالكفر هو غياب الوعي بالغيب، والشرك هو اعتماد القلب على ما يفنى. وعندما انهارت جنّته، أدرك أنّ لا دوام إلا لله، ولا أمان إلا لمن توكّل عليه. فندمه كان توحيدًا متأخرًا، وبصيرته التي أُوقدت بعد الفقدان هي ما أراد الله أن يوقظها في كل قارئٍ للآية. فمن وعى هذا المثل لم يعد يخاف زوال النعم، لأنّ قلبه تعلّق بالمنعِم لا بالعطاء. ومن تذكّر أنّ الشرك قد يكون في الاعتماد أكثر منه في العبادة، أفاق من غفلته، وأدرك أنّ الإيمان الحقّ ليس ما يُقال باللسان، بل ما يسكن في القلب حين تخلو الدنيا من كلّ سببٍ ويبقى الله وحده.

