أبوبكر الديب – مستشار المركز العربي للدراسات والباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي
تشهد المملكة العربية السعودية هذه الأيام مسارًا واضحًا نحو ازدهار اقتصادي متسارع، يعكس بوضوح نتائج جهود التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية التي انطلقت مع رؤية 2030. فقد أصبح الاقتصاد السعودي اليوم، أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية، بعدما تحرر تدريجيًا من اعتماده التقليدي على قطاع النفط، مع توسع الأنشطة غير النفطية وتعاظم دور القطاع الخاص والخدمات والأنشطة الإنتاجية الحديثة.
وفي عام 2024، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بلغ 1.3%، رغم التراجع الملحوظ في الأنشطة النفطية بنحو 4.5%. هذا التراجع لم ينعكس سلبًا على المسار العام، إذ قاده القطاع غير النفطي إلى تحقيق نمو قوي بلغ 4.3%، في حين ارتفعت الأنشطة الحكومية بنسبة 2.6%.
وتؤكد المؤشرات تؤكد أن قاعدة الاقتصاد السعودي أصبحت أوسع وأكثر تنوعًا، وأنه قادر على مواجهة الصدمات الناتجة عن أي هبوط في أسعار النفط أو تقلبات في حجم الطلب العالمي عليه.
تعززت هذه الصورة بشكل أكبر خلال عام 2025، حيث سجل الاقتصاد في الربع الأول نموًا قدره 2.7%، مدعومًا بارتفاع الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.2%، وازدياد الأنشطة الحكومية بنسبة 3.2%، مقابل تراجع طفيف في الأنشطة النفطية بنحو 1.4%.
ثم جاء الربع الثاني ليقدم أداءً أقوى، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.9%، مدفوعًا بقفزة في الأنشطة غير النفطية بلغت 4.7%، إلى جانب نمو الأنشطة النفطية بنسبة 3.8%، في إشارة واضحة إلى دخول القطاع النفطي في مرحلة انتعاش جديدة تتكامل مع محركات النمو الأخرى.
وتكشف تفاصيل الأداء الاقتصادي تحولًا نوعيًا في بنية الاقتصاد السعودي، مع توسع لافت في قطاعات متعددة، أبرزها تجارة الجملة والتجزئة والفنادق والمطاعم التي حققت نموًا تجاوز 6%، والخدمات المالية وأنشطة الأعمال التي سجلت نموًا يزيد على 5%، إضافة إلى نمو قوي في قطاعات الطاقة والمياه والكهرباء التي باتت تشكل روافد حيوية للناتج غير النفطي. هذا التنوع يعكس نجاح السياسات الاقتصادية في خلق مصادر دخل بديلة تقلل من حساسية الاقتصاد لتذبذب أسعار النفط، وتمنحه قدرة أكبر على المنافسة والاستدامة.
وعلى صعيد سوق العمل، أظهر الاقتصاد السعودي قدرة عالية على خلق فرص جديدة، إذ ارتفع التوظيف في القطاع الخاص بشكل واضح خلال 2024، في مقابل انخفاض الاعتماد على الوظائف الحكومية، وهو ما يعكس تحولًا جوهريًا نحو اقتصاد يقوده القطاع الخاص، تدعمه مبادرات ريادة الأعمال والاستثمار الإنتاجي. كما أن استمرار مشاركة المرأة والشباب في سوق العمل بوتيرة متسارعة يعزز من عمق التحول الاجتماعي والاقتصادي، ويرفع من مستويات الإنتاجية والتنويع في سوق العمل.
أما التضخم، فيبقى عند مستويات مطمئنة، حيث بلغ في 2025 نحو 2.2%، في ظل جهود واضحة للحفاظ على استقرار الأسعار والقوة الشرائية للمواطن، مما يتيح للاقتصاد مواصلة النمو دون ضغوط تضخمية تهدد استدامته. ويُعد هذا الاستقرار من العوامل الرئيسية التي تمنح المستثمرين المحليين والأجانب ثقة أكبر في السوق السعودية.
ولا يمكن إغفال أثر السياسات المالية والاقتصادية التي تبنتها المملكة خلال السنوات الماضية، إذ انعكست في شكل مرونة مالية قوية وقدرة على مواجهة الصدمات، سواء تلك المرتبطة بأسعار الطاقة أو الظروف الاقتصادية العالمية.
كما عززت الإصلاحات الضخمة في بيئة الأعمال، وتطوير الأنظمة المالية، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، من جاذبية المملكة كمركز اقتصادي إقليمي وعالمي.
وتبرز كذلك مشاريع البنية التحتية العملاقة، والمدن الاقتصادية الجديدة، والطفرة السياحية، والتوسع في اقتصاد الترفيه والثقافة والاقتصاد الرقمي؛ كمرتكزات أساسية للنمو المستقبلي.
بدأت هذه المشاريع بالفعل في خلق قطاعات اقتصادية جديدة كليًا، وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل، ورفع مستوى الدخل غير النفطي إلى مستويات تتزايد عامًا بعد آخر.
وتدل هذه المؤشرات مجتمعة على أن المملكة تعيش مرحلة تحول تاريخية، تُبنى خلالها أسس اقتصاد حديث، متنوع، تنافسي، ومستدام. ورغم أن الكثير من هذه التحولات لا يزال في مرحلة البناء والتطوير، فإن الاتجاه العام واضح وقوي نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على النفط، وأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة طويلة الأجل، وأكثر استعدادًا لقيادة التغيرات الإقليمية والدولية.
ومع تسارع وتيرة الإصلاحات وتوسع الاستثمارات، وبروز قطاعات جديدة تتشكل ملامحها تباعًا، تتزايد التوقعات بأن السعودية تسير بخطى ثابتة نحو مكانة متقدمة بين الاقتصادات الكبرى عالميًا خلال العقود المقبلة.
وأخيرًا لم تعد المملكة قوة نفطية فقط، بل باتت قوة استثمارية وإنتاجية ومالية وسياحية وتكنولوجية، تبني نموذجًا اقتصاديًا حديثًا يعزز الرفاه الاجتماعي ويحقق التنمية المستدامة، ويضع الأسس لمرحلة جديدة من الازدهار تمتد لأجيال قادمة.

