لم تأتِ ميزانية المملكة للعام 2026 مجرد أرقام محاسبية تقليدية، وإنما كانت بمثابة إعلان صريح عن نضج “الرؤية السياحية” وانتقالها من طور التأسيس وضخ الأموال في البنية التحتية، إلى مرحلة “الاستثمار الاستراتيجي” الذي يستهدف تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي. إذ تكشف القراءة المتفحصة لبنود الميزانية ومستهدفاتها عن هندسة مالية جديدة تتعامل مع السياحة لا كقطاع خدمي هامشي، بل كمنظومة اقتصادية سيادية تقود قاطرة التنويع، تتشابك عضويًا مع قطاعات النقل والترفيه والثقافة.
وقد تحول الرهان الحكومي اليوم من “كم” ننفق، إلى “كيف” يتحول هذا الإنفاق إلى وظائف مستدامة، وهوية وطنية عالمية، وتنافسية تجعل من الوجهات السعودية خيارًا أولًا، مدعومة بمشاريع عملاقة تجاوزت مرحلة المخططات إلى واقع التجربة الحية.
لقراءة ما بين سطور هذه الميزانية، وتفكيك دلالاتها العميقة على مستقبل الصناعة السياحية في المملكة؛ حاورت “الوئام” عميد كلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود (KSU)، الدكتور سلمان العتيبي، الذي قدم تشخيصًا دقيقًا للتحولات الهيكلية في القطاع، مجيبًا بالتفصيل عن الأسئلة الأكثر إلحاحًا حول مصير الاستثمارات، ودور المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومستقبل التراث الوطني في ظل هذا الزخم المالي غير المسبوق.
برأيك، كيف تعكس ميزانية 2026 حجم الرهان على الصناعة السياحية في السعودية؟
تعكس ميزانية 2026 حجم الرهان على السياحة من خلال تحول استراتيجي واضح، يتمثل في انتقال الدولة من مرحلة دعم البنية الأساسية إلى مرحلة الاستثمار الاستراتيجي الذي يستهدف تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من القطاع.
ويظهر هذا التوجه جليًا في ارتفاع المستهدفات المرتبطة بالإنفاق السياحي وتوسيع الطاقة الاستيعابية، ما يشير إلى إدراك حكومي بأن السياحة أصبحت قادرة على توليد قيمة اقتصادية مضافة بمستويات عالية.
كما يعكس تضمين السياحة في مؤشرات الأداء الحكومية الدور المركزي الذي بات يلعبه القطاع في هيكلة الاقتصاد الوطني؛ حيث لم تعد السياحة مجرد نشاط تكميلي، بل أصبحت رافدًا رئيسيًا للتنويع الاقتصادي، وركيزة أساسية لخلق الوظائف، ومحركًا فعالًا لسلاسل القيمة المرتبطة بقطاعات الضيافة والنقل والترفيه والثقافة.

ما هي أبرز مؤشرات الدعم الحكومي في الميزانية التي ستُحدث أثرًا مباشرًا على القطاع؟
تتمثل أبرز مؤشرات الدعم الحكومي في إقرار حزمة سياسات تنظيمية وتمويلية تعيد تشكيل البيئة السياحية بما يعزز جاذبيتها الاستثمارية ويرفع قدرتها التشغيلية. ومن أهم هذه المؤشرات:
أولًا: أداء ميزان المدفوعات في بند السفر الذي سجل فائضًا كبيرًا، وهو ما يشير إلى تحسن صافي العائد من السياحة الوافدة، ويعد مؤشرًا اقتصاديًا مهمًا يعكس تحسن تنافسية المملكة مقارنة بالأسواق الإقليمية.
ثانيًا: الوصول إلى نسبة 98% في الامتثال لتراخيص الضيافة، مما يمثل نقلة نوعية في جودة المعروض السياحي، إضافة إلى إصدار آلاف الرخص الجديدة التي تعزز انتشار المنشآت السياحية وفق معايير متقدمة.
ثالثًا: تخصيص تمويل لأكثر من مئة منشأة صغيرة ومتوسطة، وهي خطوة محورية لحماية سلسلة القيمة السياحية من التركز في يد الشركات الكبرى فقط، ودعم الابتكار المحلي في المنتجات والخدمات السياحية، مما يخلق منافسة صحية ترفع مستوى التجربة السياحية ككل.
إلى أي مدى يمكن للسياحة أن تسهم في تنويع الاقتصاد وزيادة الناتج المحلي خلال الأعوام القادمة؟
تملك السياحة قدرة عالية جدًا على توسيع قاعدة الاقتصاد السعودي عبر إسهامها المباشر وغير المباشر في الناتج المحلي الإجمالي؛ فالقطاع يسهم في خلق وظائف كثيفة في مجالات الضيافة والفعاليات والترفيه، وفي الوقت نفسه يحرك قطاعات مساندة تشمل النقل، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات اللوجستية، والصناعات الإبداعية، والتجزئة.
ومع استمرار المشاريع الكبرى وتوسع الوجهات، يمكن أن تزداد مساهمة السياحة في الناتج المحلي بشكل متسارع، خاصةً مع ارتفاع متوسط الإنفاق للسائح الدولي وطول مدة الإقامة.
أضف إلى ذلك أن السياحة تعزز الإيرادات الحكومية غير النفطية عبر زيادة حصيلة الضريبة الانتقائية ورسوم الخدمات، فضلًا عن دورها في تخفيض تسرب الإنفاق للخارج مع نمو السياحة الداخلية، ما يجعلها رافدًا اقتصاديًا مستدامًا يعتمد على موارد محلية قابلة للتطوير المستمر.

ما القطاعات المرتبطة بالسياحة التي ستستفيد بشكل مباشر من بنود الميزانية؟
ستستفيد قطاعات متعددة من التوسع في الإنفاق السياحي، ويمكن تصنيفها كالتالي:
قطاع الضيافة: يعد المستفيد الأكبر نظرًا لارتباطه المباشر وتأثره الفوري بتدفقات السياح.
قطاع النقل الجوي والبري: سيستفيد من ارتفاع الطلب على الحركة الداخلية والدولية، مما يشجع خطوط الطيران على زيادة السعة المقعدية وفتح مسارات جوية جديدة.
قطاع الترفيه والرياضة: يشهد نموًا سريعًا مع توسع فعاليات 2026، ما يحفز نمو الصناعات المرتبطة مثل الإنتاج الإعلامي والعلاقات العامة والتسويق.
قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة: يبرز كقطاع حيوي يشكل العمود الفقري للتجارب السياحية المحلية، حيث يسهم الدعم الحكومي في رفع تنافسيتها وقدرتها على خلق منتجات جديدة ومبتكرة مثل الإيواء الريفي، والجولات المتخصصة، والمقاهي، والمطابخ المحلية.
كيف ينعكس دعم الميزانية على مشاريع التراث الوطني والآثار؟
يسهم دعم الميزانية في إعادة تعريف التراث الوطني بوصفه موردًا اقتصاديًا وثقافيًا عالي القيمة، وليس مجرد عنصر للحفظ التاريخي فقط. وتؤدي الاستثمارات الموجهة لمشاريع الآثار إلى تحسين البنية الأساسية للمواقع التاريخية ورفع طاقتها الاستيعابية، بما يجعلها قادرة على استقبال أعداد أكبر من الزوار بكفاءة وجودة أعلى.
كما تتيح الميزانية تحسين “التجربة التفسيرية” داخل المواقع الأثرية عبر تطوير المسارات التعليمية، وإضافة مراكز للزوار، وتزويد المواقع بمرافق خدمية حديثة. ويعزز هذا النهج قدرة المملكة على دمج التراث ضمن التجربة السياحية الشاملة، وتحويل المواقع الأثرية إلى محركات اقتصادية تدعم وتنمي المجتمعات المحلية المحيطة بها.

هل يمكن أن نشهد توسعًا في برامج حماية المواقع الأثرية أو رقمنة التراث؟
نعم، من المرجح جدًا أن تشهد الأعوام المقبلة توسعًا كبيرًا في برامج حماية المواقع الأثرية ورقمنة التراث، مدفوعة بالزخم السياحي وتطور حلول التكنولوجيا الثقافية؛ فحماية المواقع الأثرية أصبحت الآن ضرورة اقتصادية ملحة، وليست مجرد أولوية ثقافية، لأنها تمثل أصولًا وطنية قادرة على تحقيق عوائد طويلة المدى.
وفيما يخص الرقمنة، فهي تتيح بناء قواعد بيانات متقدمة، وتطوير جولات افتراضية، وتوثيق دقيق للمحتوى التراثي، مما يرفع من جودة التفسير ويزيد من وصول الجمهور العالمي للتراث السعودي. ويدعم ذلك جهود الاستدامة البيئية والأثرية عبر تقليل الضغط البشري المباشر على المواقع الحساسة ذات القدرة الاستيعابية المحدودة.
كيف ينعكس الإنفاق الحكومي على تجارب السائح المحلي؟
يسهم الإنفاق الحكومي بشكل مباشر في تحسين تجربة السائح المحلي من خلال تعزيز جودة الوجهات الداخلية وتوسيع خيارات الأنشطة والترفيه، مما يزيد من جاذبية السياحة المحلية كبديل قوي للسفر الخارجي.
وتساعد الاستثمارات في البنية التحتية على تحسين الوصول إلى الوجهات، وتطوير المرافق العامة، ورفع مستوى الخدمات المقدمة، إضافة إلى خلق تجارب سياحية متخصصة تلبي مختلف الاهتمامات مثل مسارات الطبيعة، والمتاحف الحديثة، والمهرجانات المحلية التي تعزز الانتماء الثقافي. ويؤدي رفع جودة الخدمات في النهاية إلى زيادة رضا السائح المحلي، وبالتالي زيادة الإنفاق الداخلي الذي يعد محركًا رئيسيًا لنمو القطاع واستقراره.
ما توقعاتكم للقطاع السياحي في ظل المشاريع الكبرى مثل الدرعية والبحر الأحمر والقدية؟
أتوقع أن تشكل المشاريع الكبرى نقلة نوعية وتاريخية في مكانة المملكة على خارطة السياحة العالمية، نظرًا لطبيعتها المتكاملة وجودة تصميمها واعتمادها على مفاهيم مبتكرة في السياحة التجريبية والثقافية والطبيعية.
مشروع الدرعية مثلًا يمنح المملكة قوة عالمية في السياحة الثقافية المتصلة بالتراث العالمي، بينما يقدم مشروع البحر الأحمر نموذجًا رائدًا وفريدًا للسياحة المستدامة الفاخرة، في حين تركز القدية على الترفيه الرياضي والإبداعي بمقاييس عالمية.
تشكل هذه المشاريع منظومات اقتصادية متكاملة تجذب شرائح واسعة ومتنوعة من السياح، وتزيد من متوسط الإنفاق ومدة الإقامة، كما تفتح فرصًا واسعة لتوظيف الشباب وتنمية القطاع الخاص.
ختامًا.. كيف يمكن لهذه المشاريع أن ترفع تنافسية السعودية عالميًا؟
تسهم هذه المشاريع في رفع تنافسية السعودية بشكل كبير عبر تقديم تجارب فريدة لا تتوفر في الأسواق الإقليمية أو حتى العالمية بالمعايير نفسها.
تعتمد هذه المشاريع على بناء “هوية مكانية” متقدمة تجمع بين العمق الثقافي للمملكة والابتكار المعماري الحديث والاستدامة البيئية، مما يجعل المملكة وجهة مفضلة للسائح الباحث عن تجربة ذات قيمة عالية.
ومع اكتمال هذه الوجهات، ستشهد المملكة ارتفاعًا ملحوظًا في مؤشرات التنافسية السياحية الدولية مثل جودة البنية التحتية، وجاذبية الاستثمار، ومستوى الخدمات، الأمر الذي يعزز مكانة المملكة ويرسخ موقعها ضمن الوجهات السياحية الأكثر نموًا وتأثيرًا في العالم.

