د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
ليس من المبالغة القول إن استقرار اليمن ليس شأناً محلياً ، ولا حتى إقليمياً ، بل هو مسألة ذات أثر كوني تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس جوهر التوازن العالمي ذاته، اليمن، الذي اعتاد العالم النظر إليه من زاوية الأزمات والحروب، لم يكن يوماً دولة هامشية في معادلة التاريخ، بل كان ـ ولا يزال ـ مفصلاً حضارياً وجغرافياً تتحرك عنده خطوط التجارة، وموازين الطاقة، ومسارات الأمن الدولي.
اليمن يقف عند بوابة واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم: باب المندب. هذا المضيق الذي يمكن اعتباره شريان ملاحي لا ينافس ، هو شريان الاقتصاد العالمي الذي تعبره نسبة هائلة من تجارة العالم، ومنه تمر الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها اقتصادات آسيا وأوروبا وأفريقيا…!
أي اضطراب في اليمن لا يبقى محلياً ، بل يتدحرج ككرة نار ليصيب أسواق النفط، وأسعار الغذاء، وحركة التجارة العالمية، واستقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي والبحر المتوسط معًا.
لكن أهمية اليمن لا تُختزل في الجغرافيا وحدها. فاليمن هو نقطة التقاء تاريخية للحضارات، ومخزن ثقافي وإنساني نادر، وجسر حضاري بين الشرق والغرب منذ آلاف السنين. من سبأ وحمير إلى الموانئ الإسلامية الكبرى، كان اليمن شريكاً في صناعة التاريخ لا متفرجاً عليه. وعندما يُترك هذا البلد ليغرق في الفوضى، فإن العالم لا يخسر أرضاً فقط، بل يخسر ذاكرة إنسانية وهوية حضارية تشكل جزءاً من الوعي البشري.
استقرار اليمن يعني استقرار البحر الأحمر، واستقرار البحر الأحمر يعني أمن التجارة العالمية، ويعني كذلك تقليص مساحات التهديد في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. ولهذا فإن تجاهل اليمن ليس حياداً ، بل مقامرة خطيرة يدفع ثمنها الجميع. فمن الفوضى تولد القرصنة، ومن الفوضى تنشأ التنظيمات المتطرفة، ومن الفوضى تتوسع شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود وكلها يغذيها عبدالملك الحوثي ومليشياته.
كما أن اليمن يمثل عمقاً استراتيجياً للجزيرة العربية، واستقراره هو الضمان الحقيقي لأمن الخليج والقرن الإفريقي معاً. لا يمكن الحديث عن أمن إقليمي مستدام بينما اليمن ينزف، ولا يمكن تصور مستقبل اقتصادي مزدهر للمنطقة دون دمج اليمن في مشاريع التنمية، والطاقة، والممرات التجارية الكبرى. فاليمن ليس عبئاً على محيطه، بل فرصة ضخمة أُهملت طويلاً.
ثم إن الإنسان اليمني، رغم الحرب والجوع والتهميش، أثبت قدرة مذهلة على الصمود. هذا الشعب الذي قاوم الفقر والحصار والانقسام يمتلك طاقة بشرية هائلة يمكن أن تتحول، في حال الاستقرار، إلى رافعة اقتصادية وثقافية كبرى. اليمن ليس ساحة صراع ، بل مخزون إنساني ينتظر فرصة عادلة ليُنتج ويُبدع ويشارك في بناء المستقبل.
استقرار اليمن ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية عالمية. فكل يوم يتأخر فيه السلام، تتعمق الفوضى، وتتوسع دوائر الخطر، وتزداد كلفة الإصلاح على الجميع. والعكس صحيح: كل خطوة نحو الاستقرار في اليمن هي استثمار في أمن العالم، وفي سلامة التجارة الدولية، وفي توازن المنطقة بأكملها.
اليمن ليس هامش التاريخ، بل قلبه الصامت. ومن يظن أن العالم يمكن أن يستقر بينما اليمن يحترق، لم يفهم بعد كيف تُدار الجغرافيا، ولا كيف تُصنع التحولات الكبرى. فاستقرار اليمن ليس شأناً يمنياً فقط… بل اختباراً حقيقياً لوعي العالم ومسؤوليته.

