د. محمد العرب
الرياض ليست مدينةٍ تُدار منها شؤون دولة، بل صارت على امتداد العقود الأخيرة مسقط رأس التوافق العربي والإسلامي، والنقطة التي كلما تعقّدت عندها الطرق العربية، عادت لتستقيم في الرياض، في كل مرة تتشظّى فيها المواقف، وتضيق الخيارات، وتعلو أصوات العبث والضجيج، تنتهي البوصلة إلى الرياض، ليس لأن الرياض تبحث عن الدور، بل لأن الدور يبحث عنها.
في التاريخ السياسي العربي، نادرا ما اجتمعت ثلاثة عناصر في مكان واحد: الثقل، والحكمة، والقدرة على الفعل.
ومع ذلك، فإن المملكة العربية السعودية، بقيادة الملك سلمان وولي عهده الأمين عراق الرؤية المباركة الأمير محمد بن سلمان ، نجحت في تحويل هذه المعادلة الصعبة إلى واقع مستمر.
الرياض لا ترفع صوتها أكثر مما يجب، ولا تتقدم الصفوف بحثاً عن تصفيق لا حاجة لها به ، لكنها حين تتحرك، تتحرك الدولة بكل أدواتها: التاريخ، والشرعية، والعقل، والوزن.
وكلما قادت طرق العرب إلى الرياض، انحلّت المعضلات. هذه ليست عبارة إنشائية، بل خلاصة تجربة. من أزمات الانقسام السياسي، إلى حروب الوكالة، إلى صراعات الشرعية والتمثيل، كانت الرياض المكان الذي تُعاد فيه صياغة الممكن، لا عبر الشعارات، بل عبر منطق الدولة. هنا تُختبر النوايا، ويُفصل بين من يريد حلاً ومن يريد وقتاً إضافياً للفوضى.
خادم الحرمين الشريفين اعزه الله بما يحمله من إرث الدولة السعودية الحديثة، لا يدير الملفات بعاطفة طارئة، بل بذاكرة دولة تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تفتح الأبواب ومتى تُغلقها.
هو رجل التوازنات الثقيلة، الذي يدرك أن استقرار الإقليم لا يُبنى بالانفعال، بل بالصبر الطويل، وبترتيب الأولويات، وبإدراك أن بعض الحلول تحتاج وقتاً أكثر مما تحتاج ضجيجًا.
أما الأمير الملهم محمد بن سلمان، فهو التعبير الأكثر وضوحاً السعودية العظمى المتجددة في حضوره السياسي، لا تبدو الرياض ساحة انتظار، بل غرفة عمليات.
هو لا يتعامل مع القضايا العربية كملفات مؤجلة، بل كاستحقاقات يجب إدارتها بشجاعة، حتى وإن كانت كلفتها عالية.
لذلك، حين يصل الفرقاء إلى الرياض، يصلون وهم يعلمون أن الحل هنا ليس شكلياً ، وأن المخرجات ليست بيانات مجاملة، بل مسارات قابلة للتنفيذ.
اللافت أن الرياض لا تفرض حلولها بالقوة، ولا تُغري أحداً بالهيمنة، بل تخلق بيئة تجعل العقل العربي يستعيد توازنه. الحوار الذي يُدار في الرياض لا يقوم على كسر طرف لصالح آخر، بل على كسر الفوضى نفسها.
وهذا هو الفارق الجوهري بين دولة تبحث عن النفوذ، ودولة تحمل عبء الاستقرار.
في كل أزمة عربية كبرى، كان هناك سؤال غير معلن: من يستطيع جمع المختلفين دون أن يتحول إلى خصم؟ والجواب – مرة بعد مرة – كان السعودية.
ليس لأن الجميع متفق معها دائماً ، بل لأن الجميع يثق بأن الرياض لا تساوم على وحدة الدول، ولا تستثمر في الانقسام، ولا تبني دورها على خراب الآخرين.
إن التبجيل هنا ليس مجاملة، بل اعتراف بدور. الاعتراف بأن السعودية، بقيادتها الحالية والسابقة ، صارت صمام أمان عربي في زمن التفكك.
الاعتراف بأن الملك سلمان وولي عهده لم يحملا همّ المملكة فقط، بل حملا همّ الإقليم، في لحظة كان فيها كثيرون يهربون من المسؤولية أو يتاجرون بها.
حين تتجه طرق العرب إلى الرياض، تهدأ الأصوات، وتتراجع النزوات، وتعلو لغة الدولة. هناك، تُعاد كتابة الجمل السياسية دون انفعال، وتُقاس الكلمات بميزان التاريخ، لا بميزان الترند.
وهناك، يفهم الجميع أن السعودية لا تبحث عن دور طارئ، بل تمارس دورًا راسخًا، لأنها ببساطة: تعرف من هي، وماذا تريد، وإلى أين تمضي…؟
لهذا، ليست مصادفة أن تكون الرياض مسقط رأس التوافق العربي.
فبعض المدن تُدار، وبعضها يُلهم، وقليل منها فقط… يحلّ الأزمات.

