في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية الأمريكية، كشفت تقارير إعلامية أن ستيف بانون، المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد أبرز منظّري تيار “أمريكا أولًا”، يستعد للتحرك مبكرًا على مسرح الانتخابات الرئاسية لعام 2028. ورغم نفيه العلني لفكرة الترشح، تشير المعطيات إلى نشاط سياسي مكثف يهدف إلى التأثير في خريطة المرشحين الجمهوريين وصياغة أولوياتهم الفكرية والانتخابية خلال السنوات المقبلة.
مصادر مطلعة نقلت أن بانون لا يضع الفوز بالرئاسة هدفًا مباشرًا، بقدر ما يسعى إلى “تشكيل النقاش” داخل الحزب الجمهوري، ودفع المرشحين المحتملين إلى تبنّي أجندة أكثر تشددًا في قضايا الاقتصاد الشعبوي، وتقليص التدخلات الخارجية، والحد من نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى التي يراها مؤثرة على القرار السياسي والاقتصادي الأمريكي. هذا التوجه يعكس استمرار المعركة الفكرية داخل الحزب بين التيار المحافظ التقليدي والتيار الشعبوي الذي برز بقوة منذ صعود ترامب إلى المشهد السياسي.
التحركات على الأرض تؤكد أن بانون لا يكتفي بالتصريحات الإعلامية، بل بدأ فعليًا في بناء شبكة تحالفات واتصالات تمهيدية. فقد عبّر عن اهتمامه بتأسيس لجنة عمل سياسي، وشارك في لقاءات وفعاليات للحزب الجمهوري في ولايات محورية، كما نظّم مؤخرًا مؤتمرًا واسعًا في ولاية تكساس حمل عنوانًا مثيرًا للجدل، ما يعكس رغبته في الحفاظ على حضوره كفاعل مؤثر في القاعدة الانتخابية المحافظة.
في المقابل، سارع بانون إلى نفي التقارير التي تحدثت عن استعداده للترشح، واصفًا إياها بأنها غير دقيقة، مؤكدًا أن تركيزه الأساسي منصب على دعم فكرة ولاية ثالثة للرئيس ترامب في عام 2028، في طرح يثير نقاشًا دستوريًا واسعًا داخل الولايات المتحدة. وأشار إلى مشاركته في إعداد كتاب يناقش الإمكانات القانونية المرتبطة بهذا السيناريو، في محاولة لإبقاء القضية حاضرة في النقاش العام رغم إجماع خبراء الدستور على صعوبة تحقيقها عمليًا.
وبالتوازي مع ذلك، يمارس بانون ضغوطًا علنية على عدد من الأسماء الجمهورية البارزة المتوقع أن تخوض سباق الرئاسة مستقبلاً. فقد وجّه انتقادات مباشرة إلى نائب الرئيس جي دي فانس مطالبًا إياه باتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى، كما انتقد وزير الخارجية ماركو روبيو معتبرًا أنه قريب أكثر من اللازم من إسرائيل، وهو ما يتعارض مع رؤية بانون الأقل تدخلًا في السياسة الخارجية. ولم يسلم السيناتور تيد كروز من الانتقادات أيضًا، خاصة فيما يتعلق بدعمه لإسرائيل ومواقفه من تشريعات الذكاء الاصطناعي التي يرى بانون أنها تصب في مصلحة شركات التقنية العملاقة.
هذه التحركات تكشف أن ما يجري ليس مجرد تكهنات انتخابية مبكرة، بل صراع نفوذ داخل الحزب الجمهوري حول هوية القيادة المقبلة واتجاهاتها الفكرية. فبانون يسعى إما إلى دفع المرشحين المحتملين لتبنّي خطابه السياسي بشكل أوضح، أو إلى تهيئة المناخ ليكون هو نفسه حامل لواء التيار الشعبوي إذا ما تعثّر خيار ترشح ترامب لولاية جديدة.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن سباق 2028 بدأ فعليًا من خلف الكواليس، حيث تتداخل الحسابات الشخصية مع الصراعات الأيديولوجية، ويبرز ستيف بانون كلاعب يسعى إلى إعادة رسم ملامح المشهد الجمهوري، سواء من موقع المرشح المحتمل أو من موقع المهندس الفكري الذي يحرّك النقاش ويؤثر في خيارات الناخبين والقيادات الحزبية.

