عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ
الإرجاف ليس رأياً ولا نقداً ولا حتى خطأ في التقدير.
الإرجاف فعل سياسي مكتمل الأركان، يُمارَس حين تعجز الأدوات الرسمية عن فرض واقعها، فيتحول التشويش إلى بديل عن القرار، و القلق إلى أداة حكم غير معلنة.
في جوهره.. الإرجاف هو صناعة الخوف المُعلَّق ، لا يُقدَّم بوصفه حقيقة، و لا يُطرح ككذبة صريحة، بل يُضخّ في المجال العام كـ «احتمال».
والاحتمال حين يتكرر، يتحول إلى شعور عام، ثم إلى قناعة صامتة ، هنا لا يُطلب منك أن تصدّق، بل أن تتردد .. و التردد أخطر من التصديق.
هذا النمط لا يعمل وحده .. هو يحتاج وقوداً، و هذا الوقود اسمه «رأس المال السلطوي».
رأس المال السلطوي ليس المال الذي يبحث عن الربح في السوق، بل المال الذي يبحث عن النفوذ في الوعي ، مالٌ لا يستثمر في المصانع، بل في المنصات. لا يراكم القيمة، بل يراكم الضجيج. و لا يشتري الحقيقة، بل يشتري الشك، لأنه الأرخص و الأسرع انتشاراً.
حين تمتلك سلطة فائضاً مالياً، و تعاني في المقابل من هشاشة سردية أو أزمة ثقة، فإنها لا تتجه إلى بناء نموذج مُقنع، بل إلى تعطيل النماذج الأخرى. لا تواجهك بحقيقة مضادة، بل تغمرك بسيل من التساؤلات، و التحليلات «الذكية»، و الأصوات التي تبدو مستقلة لكنها تتحرك بالإيقاع نفسه.
الإرجاف هنا لا يُدار بعشوائية .. بل هو عمل تراكمي دقيق .. خبر غير مكتمل .. تسريب بلا مصدر .. تحليل «محايد» يحمل نبرة تشكيك .. ثم سؤال يبدو بريئاً: «لماذا لا نناقش هذا؟» ، و حين يصل النقاش إلى هذه المرحلة، تكون البوصلة قد اختلت.
رأس المال السلطوي يفهم أن السيطرة لا تحتاج إلى إقناع الجميع، بل إلى إنهاك الأغلبية.
يكفي أن تُربك المشهد، أن تُغرق الفضاء بالمحتوى، أن تخلق حالة ضباب دائم، حتى تصبح الحقيقة مجرد صوت آخر وسط الضجيج.
و في هذه الحالة، لا يعود الصواب مهماً بقدر ما يصبح «المتداول» هو المعيار.
بعض النماذج الإقليمية قدّمت هذا الأسلوب بوصفه «حداثة سياسية» .. دولة بلا ضجيج داخلي، لكنها تُصدّر الضجيج للخارج ، إعلام أنيق، و خطاب ناعم، و منصات عالمية، لكنها تعمل جميعاً بالمنطق ذاته: تجميل الصورة، و إرباك الآخر، و شراء الوقت بالمال.
هنا يصبح الإرجاف أداة تصدير .. لا يُستخدم فقط للدفاع .. بل للهجوم غير المباشر.
لا يُعلن كخصومة .. بل يُمارس كـ «سؤال مفتوح».
وفي هذا النوع من الصراع، لا ترى الدخان، لكنك تشعر بالاختناق.
الخطر الحقيقي ليس في الإرجاف نفسه، بل في تطبيعه .. فحين يعتاد الناس على الشك الدائم، و يفقدون الثقة في أي رواية مستقرة، تتحول المجتمعات إلى بيئات قَلِقة سهلة الاختراق.
المواطن لا يعود باحثاً عن الحقيقة، بل مستهلكاً للتوتر، و هذا بالضبط ما يريده رأس المال السلطوي.
في هذه المرحلة، يصبح السؤال الأهم ليس: «من قال؟» بل «من موّل؟» .. لأن الإرجاف لا يعيش بلا تمويل .. و يحتاج إلى منصات، و إعادة تدوير، و وجوه تتغير بينما الخطاب واحد.
وخلف كل موجة إرباك ناجحة، يوجد قرار يرى في الفوضى استثماراً سياسياً.
الدول الواثقة لا تخشى النقد، لكنها تحارب الإرجاف لأنها تدرك أن النقد يُصلح، بينما الإرجاف يُنهك.
النقد يُواجه بالحجة، أما الإرجاف فيُواجه بالتجفيف: تجفيف المال، و كشف الشبكات، و فضح العلاقة بين النفوذ و التشويش.
والخطأ الشائع هو الخلط المتعمد بين مقاومة الإرجاف و قمع الرأي ، هذا خلط يُسوَّق بعناية، لأن رأس المال السلطوي يعيش على هذه المنطقة الرمادية ، هو لا يريد إسكات الجميع، بل يريد تشويش الجميع.
الإرجاف لا يبني دولة، و لا يُسقط دولة راسخة. لكنه يستهلك المجتمعات الهشة، و يطيل عمر الأزمات، و يمنح بعض الأنظمة شعوراً زائفاً بالتحكم.
أما رأس المال السلطوي، فمهما تضخم، يبقى عاجزاً عن شراء الثقة .. لأنها العملة الوحيدة التي لا تُضَخ، و لا تُدار، و لا تُستأجر.
الوعي وحده هو الكاسر الحقيقي لهذه المعادلة .. و حين يرتفع الوعي ينخفض أثر الإرجاف، و ينكشف المال، و ينكشف الضباب.

